Sunday, December 15, 2013

جمهورية الخرفان - الفصل الثالث - إنقسام .... أم ... ردة

كان أول من إبتدع لقب « الجماعة » هم الاُمويّون أثناء صراعهم مع العلويين وذلك عندما أطلقوا على العام الذي تمّ فيه التسليم بالحكم لمعاوية وانفراده به عام الجماعة..... ولكنهم لم يكونوا يقصدون أبداً جماعة المسلمين الذين هم أمرهم شوري بينهم بل كان المقصد الجماعة التي تأسّست على الغَلَبة ولصالح الفئة الحاكمة والتي لاينازعها أحد في ملكها أو في حق توريث هذا الحكم و إستخلافه إلا لمن أرتضوه هم حاكما عليهم.
وقد بقي الانتماء لمدلول الجماعة رهناً بطاعة الحاكم والانصياع لأمره حتّي ولو كان باطلا، حيث إعتبر أن الحاكم هو من إرتضته الجماعه أميرا لها ونصبته حاكما شرعيا عليها بحيث يصبح كل من تمرّد على الحاكم في إحياء سنّة أماتها أو إطفاء بدعة أحياها خارج على الطاعة مفارق  « للجماعة » مستحقّ للعقاب النازل على المفسدين في الأرض بحكم شيوخ الجماعة من الذين إرتضوا هذا الفكر وسخروا فتواهم لدعم وتعضيد هذا الفكر الأعوج مهما كان قدر وعلم من يعارضه.
ويكفي أن نعلم أن الصحابي الجليل حُجر بن عديّ الذي كان ينكر على المغيرة وزياد سبَّهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وأنهم كلّما تمادوا في ذلك صعّد هو من إنكاره ، فما كان من زياد إلا أن كتب لحاكم الجماعة "معاوية" يطعن في ولاء حُجر وأصحابه ومخالفتهم لفكر « الجماعة » من لعن المخالفين لحكم الجماعة الخارجين على الولاة بما يجعلهم في حكم الخارجين من الطاعة. فما كان من "معاوية"  إلا أن أمر بقتلهم وهو يحتج بقوله : (( إنّي رأيتُ قتلهم صلاحاً للاُمّة ، وأنّ بقاءهم فساد للاُمّة))،  ليصبح قتل صحابي من أصحاب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم صلاحا للأمه وإبقاؤه علي قيد الحياة هو مفسدة للأمة بأمر حاكم الجماعة وبمباركة شيوخ وعلماء الجماعة و بتصديق ومؤازرة من تبعهم من الذين تم السيطرة علي عقولهم فأصبحوا لايصدقون إلا مايقوله علماء الجماعة ولايرون إلا مايريهم أمير الجماعة ولايعلمون من الدين إلا ماتقره جماعتهم.
هكذا بدأ فكر الجماعة بحاكم طامح لإعادة أمجاد قبيلته بني أمية وتمكينهم من الحكم بعد أن أفقدهم الإسلام هذا الجاه بل وخرج من يدعي بأحقية بني هاشم في الإستئثار بالحكم ، فلم يرضي إلا أن يزيح من طريقه كل من ينازعه مجد قبيلته و يجمع حوله بعض من تفقهوا في الدين ليسخروا علمهم وفتواهم في إثبات أحقيته في الحكم ليقوم بعدها بتجييش التابعين الذين تم حشو أدمغتهم بهذا الفكر العنصري ليسيروا كما القطيع حسبما تشير إليهم عصا الأمير وهو يريهم الهلاك بصورة الشهادة ويريهم القتل بصورة القصاص ويريهم الإختلاف بصورة الخلاف. ويكفي أن نعرف أنه عندما قتل عمار بن ياسر وهو من قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( ويحك إبن سميه، تقتلك الفئة الباغية )) ، فإذا بالناس تخرج علي معاوية وتنعت جماعته بالفئة الباغية فماكان من معاوية إلا أن رد عليهم القول بأن من قتله هم من أخرجوه للقتال ..... والعجيب أن الناس قد قنعوا بمقولته وإستمروا في حربهم وكأنهم كانوا فقط يريدون عذرا أيا كان لكي يعموا قلوبهم ويغيبوا عقولهم.
هل لهذه الدرجة يضل الناس في تبعيتهم الفكرية ؟ هل لهذه الدرجة يفقد الناس قدرتهم علي الإستبصار بحقائق الأمور عندما يتم حشرهم داخل جماعة وإقناعهم أن هذه الجماعة فقط هي من تملك صحيح الدين وأن دونها الباطل؟ هل لهذه الدرجة يمكن تغييب عقول الناس إذا ما قنعوا أن عقيدة جماعتهم هي كل دينهم؟
لقد بقي فكر الجماعة حتي يومنا هذا لايخرج أبدا عن هذا الفكر العنصري مهما تخفي تحت عباءة الفكر الدعوي والمطالبات الإصلاحية والمظاهر التسامحية ، إلا أنه هكذا بدأ فكرا عنصريا لا يصدق إلا في عقيدته يرحب بكل من يتفق معه من مسلمين أو مسيحين أو يهود أو حتي كفاراً أو مجوسيين ويدخل كل من يختلف معه في طائفة الخارجين عليه المطرودين من رحمته الملعونين من الدين.
هكذا قُلب الدين رأساً علي عقب حين جُرِّدت كلمة « الأمير» من كلّ مقوّماتها وضوابطها الشرعية التي بها نعت عمر بن الخطاب كأميرا للمؤمنين لتصبح بفعل جماعة المسلمين فيما بعد لقباً من نظير «الفرعون» و «النمرود» و «القيصر» و «كسرى» وغيرها من الألقاب التي أطلقتها الأمم علي حكامها. بل هكذا جردت كلمة الجماعة من معناها اللغوي التي تعني إجماع الأمة لتصير مرادفا للغلبة من أتباع الحاكم ، ولنجد الجمع من الصحابة والتابعين بل و أهل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم يتم إعتبارهم من المفسدين في الأرض إن هموا خرجوا علي الحاكم الذي ولي نفسه علي جماعتة ، ورفضوا عقيدة وفكر « الجماعة » حتي أصبحوا من الساعين إلي الفتنة مستحقي القتل، لتبقي الجماعة رهناً بطاعة « الخليفة » دون النظر إلى طريقة استخلافه أو صلاح فكره أو إستواء حكمه وبغض النظر عن رأي علماء الأمة طالما كان رأي علماء الجماعة يقر حكم أمير الجماعة ويثبته.
عندما خطب الوليد بن عبد الملك يوم مبايعته بالخلافة قال : ((أيّها الناس ، عليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، فإنّ الشيطان مع الواحد ! أيّها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه)) لقد لخص الوليد فلسفة الجماعة في كلمة واحدة " الطاعة " ...... فقط الطاعة ولا شئ أخر ، فمن لزم الطاعة فقد أصبح واحدا من الذين أطلقوا علي أنفسهم لقب الجماعة يأمن بجوارهم ويفزع بتركهم. و هذا هو الفكر والعقيدة التي ظلت باقية حتي يومنا هذا تميّز أهل أي جماعة دينية أو سياسية أو فكرية أو عقائدية لتجعل ولائهم فقط لجماعتهم وحاكمها قبل الوطن ومؤسساته وسيادة دولته.
وفي المقابل ظهرت جماعة أخري دانت بالولاء لآل بيت الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وتشيعوا لسلالته التي بقيت في أبناء علي بن أبي طالب من بعده وهم من أطلق عليهم لقب الرافضة لقيامهم بشق عصا الجماعة حسب مفهومها الأموي وطالبت بالحكم في آل البيت ودار بينها وبين حكام بني أميه الحروب الكثيرة والتي إنتهت جميعها بقتل آل البيت وبقاء حكم بني أميه ليستقيم حكم الجماعة ضد مطالبة الرافضة بالحكم وهو مايثبت ولا يدع معه مجال للشك أن تديين السياسة كان هو الهدف الذي يسعي إليه كلا الطرفين بغض النظر عن صحة أو خطأ دعوي كليهما . وليصبح هذا الفكر هو الإرث الملعون الذي توارثه أحفاد الجماعتين ليخرجوا علينا ببضع وسبعين فرقة كما أخبرنا الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم. ولتري كل فرقه نفسها علي الصواب بينما تري كل من يخالفها علي الباطل وليكون لكل فرقه أميرهم الذي يأتمرون بأمره ولايرون إلا مايري وليثبتوا جميعا قول الحق : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِين﴾. 
عندما بدأت الردة عن الإسلام بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم ، وجاء المرتدون إلي الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يرتضون من دينهم مايرتضونه إلا أن يدفعوا الزكاة وكان رأي جماعة المسلمين وقتها أن يتم المهادنة معهم حتي يفرغوا من قتال الفرس ثم يرجعون عليهم ليعيدهم إلي الصواب ، فقد فاجأ أبو بكر جماعة المسلمين بقولته التي زلزلتهم وجعلتهم كلهم يرجعون عن رأيهم ويوافقونه علي قراره بحربهم ولو في عقال عنزة.
لقد أبصر أبو بكر رضي الله عنه ما لم يبصره عموم المسلمين جميعا عندما أخبر عمر أن الجزيرة العربية جميعها لم ترتد عن الإسلام إلي عبادة الأوثان وهي الأقرب إلي الردة حيث أنهم كانوا علي عهد قريب منها ويملكون من الدوافع مايجعلهم يعودون إلي عبادة ما كانوا يعبدون هم وأبائهم الأولون بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم. إلا أن العرب إرتدوا عن إتباع كل الدين إلي مايرتضونه هم من بعض الدين ...... لقد رأي أبو بكر أن الردة لم تعد في عموم الدين الذي حفظه العزيز القدير وحفظ في أمة محمد حتي بعد موته ، ولكن الردة قد أصبحت في بعض الدين كل حسب رؤيته وقدرته علي إقناع من حوله وتفسيره لأحكام الدين.
لقد لخص آبو بكر رضي الله عنه أمر ردة المسلمين التي نحن عليها حتي الآن في جملة واحدة وهو يخاطب عمر الذي كان يحاول أن يثنيه عن قراره لكي يأخذهم باللين فقال له: (( رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك ؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإِسلام ؟ إنه قد انقطع الوحي، وتمَ الدين، أوَ ينقص وأنا حي ))
لقد تبين للصديق أن الردة في بعض الدين لهي أعظم من الردة في عموم الدين وأنه لو تركهم يأخذون من الدين بعضه لفتح بابا علي الإسلام لن يستطيع أحد درئه. ووالله الذي لا إله إلا هو أنه لصادق.... ووالله الذي لا إله إلا هو إنه لهو الصديق ، وها نحن الآن نعيش عصر الردة الجزئية لمفهوم الدين ليؤخذ منه ويترك ويعمل ببعض الدين ويكفر ببعضه الآخر ونحن بين هذا وذاك لانستطيع لها درئا ..... لله درك يا خليفة رسول الله.
نعم إنها الردة التي بدأها بعض من أدعوا النبوة من أمثال مسلمة بن حبيب أبن حرب أو "مسيلمة الكذاب" كما أطلق عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما أرسل له رسالة يقول فيها : ((من مسلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: آلا إنى أوتيت الامر معك فلك نصف الأرض ولي نصفها ولكن قريش قوماً يظلمون)) . فرد عليه الرسول صلي الله عليه وسلم الرساله وجاء فيها: ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد، ......... ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
وأيضا كان هناك طليحة بن خويلد الأسدي ممن إرتدوا بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم حيث إدّعى النبوة في قومه بني أسد وتبعه بعض من قبائل طيء وغطفان في أرض نجد، إلا أنه هزم مع أتباعه على يد خالد بن الوليد في معركة بزاخة ودخل الإسلام على إثر ذلك. والعجيب في الأمر أنه بعد أن أسلم وأحسن إسلامه ، فقد شهد القتال مع خالد بن الوليد، فإذا بأبو بكر الصديق يكتب إلى خالد ان استشره في الحرب ولا تؤمره، وهذا من فقه الصديق حيث فطن أنه ما إدعي النبوة إلا حباً في الزعامة ، فماكان منه إلا أن أعطاه بعضا مما يحب ولكنه لم يفرط فيما وجب عليه من إتمام الدين.
أما عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي المعروف باسم "الأسود" و"ذي الخمار" فقد إدعي النبوة في حياة الرسول الكريم وقاتل معاذ بن جبل وهو من أعمله الرسول صلي الله عليه وسلم علي اليمن والذي قام بالهرب واللجوء إلي "بني السكون" أحد بطون كندة لإنه كان متزوجا منهم. وقد إستولي الأسود علي كلا من صنعاء ونجران وحضرموت و الإحساء حيث تبعته بعض قبائل اليمن لتعصب فيهم إذ أنها رأت في الزكاة أتاوة يدفعونها لقريش. وقد تم قتل العنسي علي يد فيروز اليمني بعد أن أرسل الرسول صلي الله عليه وسلم إلي قبائل المسلمين في اليمن يطلب منهم مقاتلة العنسي بعد أن إستشري شره وأصبح يشكل تهديدا للدولة الإسلامية فقام فيروز بالإتفاق مع زوجة الأسود -إزاد الفارسية -  والتي كانت له سبية وهي من قامت بسقيه الخمر حتي ذهب في سكرته ودخل عليه فيروز وقتله لينهي بهذا أول ردة في الإسلام في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم.
وفي عمان ظهر لقيط بن مالك الأزدي، وإستطاع أن يستولي عليها من أمرائها الذين إستغاثوا بأبي بكر الصديق فأرسل له جيش عكرمة بن أبي الحكم ليقضي عليه ويعيد قومه إلي الإسلام وليرتضوا الزكاة التي حاولوا تحت إمرة نبيهم الكذاب أن يمتنعوا عنها.
أما البحرين فقد كان يقطنها كلا من بنو عبد القيس وبنو بكر وقد إرتدوا بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم عندما قالوا لو كان رسولا ما مات، فثبتهم الله بالجارود وهو من سادة بنو عبد القيس الذي سألهم عن الرسل والإنبياء الذين أرسلهم الله من قبل ، إن كانوا قد أخبروهم أم أنهم رأوهم رؤي العين فقالوا : بل خبرناهم ولم نراهم فسألهم : فأين هم الآن فأجابوه أنهم قد ماتوا ، فعندها ثبتهم بقوله أن الرسل يموتون ولكن الدين لا يموت فثبتوا علي الإيمان وعادوا عن ردتهم بل وخرجوا مع المسلمين بعد ذلك في حروبهم وأبلوا في ذلك بلاء حسنا.
ومن العراق أتت سجاح بنت الحارث بن سويد بن غفقان التميمية المسيحية التي أدعت النبوة بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم بما كان لها من العلم أخذته من ثقافتها العراقية المسيحية في وقتها. وقد تبعها جمع من عشيرتها من كبار بني تميم حيث بلغت بها الجرأة وسوء تقدير الأوضاع أنها قد أقنعت أتباعها بالتوجه إلي الحجاز لغزو مكة والإستيلاء علي الخلافة من أبو بكر وأتباعه. ولكن من المفارقات أنها في أثناء سيرها عرجت علي مسيلمة الكذاب حيث تزوجته وإنضمت تحت لوائه وبعد هزيمته وقتله علي يد جيش المسلمين تابت وأسلمت وصلح إسلامها حتي ماتت في البصرة.
والجدير بالذكر أن الردة التي حدثت بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم كانت كثيرة وإنتشرت بين معظم قبائل العرب وخاصة تلك التي بعدت عن مركز الحكم الإسلامي وقتها في المدينة وأن معظمها قد نشأ تحت إمرة من أدعوا النبوة الذين عملوا علي تجميع الناس من حولهم من خلال تبسيط الدين وإعطاء الرخص لما تم تحريمه من قبل كأباحة الربا مثلا أو أن يتم تقنين الزنا أو تحليل شرب الخمر حتي أن مسيلمة الكذاب عندما خرج علي أتباعه فقد قام بإسقاط صلاة العشاء والفجر عن المسلمين للتخفيف عليهم.
لهذا كان إجتماع الناس علي هؤلاء المدعيين هو إجماع علي الرغبة في تخفيف بعض الدين أو للحصول علي رخصة فيما إشتهته أنفسهم ومنعهم الدين عنه أو كان نصرة لشخص عذب الكلام ألحن اللسان طامح في الحكم وبنصرته يصبح محكوم اليوم في سدة الحكم غدا ، وأغلب الظن أن الأخيرة كانت ولازالت هي المحرك الرئيسي لكل من سار أو يسير أو سيسير في هذا الدرب وكل من جعل من الدين غطاء لجمع الناس حول فكر أو عقيدة فردية لتكوين جماعة مذهبية طائفية تعتنق فكر أميرهم وتعمل بأمره وتسير علي نهجه حتي يتم تجييش الحشود ممن إقتنعوا بهذا الفكر المغلف بطابعه الديني ولكن باطنه ملئ بصراعات سياسية ورغبات سلطوية وخطط إستحكامية وجميعها لا يهدف إلا لنشر فكرهم الذي لايرون إلا صحيحه وبالتالي جمع أكبر قدر من الأنصار والمؤيدين لهذا الفكر تحت ستار الدين ليصبح من يعادي هذا الفكر معاديا للدين ومعاديا بالتبعية لله و لرسوله فيجوز محاربته وقتله وإستباحته حتي يتم التمكين لهم ولجماعتهم ولعقيدتهم المذهبية إلي أن يستطيعون أن يحكموا بما أنزله عليهم مرشدهم  وأمير جماعتهم من تفسيرات عوراء لصحيح الدين تجعل كل من يرفض فكرهم خارج علي جماعتهم و بالتبعية من الخارجين علي عموم الدين الذي نصبوا أنفسهم حماة له فيصبح القتل هو جزاء من خرج علي جماعتهم في حين يبيح لهم نفس هذا الفكر الأعور الخروج علي الحاكم الشرعي جهادا في سبيل عقيدتهم وهم علي قناعة أن جزاءهم ليس إلا النصر وتبعاته أو الشهادة وأجرها .... أي دين هذا ..!!
هكذا بدأت حركات التغيير في الإسلام في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ممن أرادوا مشاركته الرسالة والنبوة عندما رأوا أن النبوة هي أفضل الطرق للوصول إلي الحكم و إحكام السلطان و تحصيل الأموال و الفوز بالغلبة فما كان منهم إلا أن خرجوا علي الناس بدعواهم التي كان ظاهرها دعاوي التجديد الديني والإصلاح المجتمعي بكل ما تتضمنه من فتاوي وشروحات مذهبية تعطي الأفضلية دائما لمن تبع هذه العقيدة وتصورهم أنهم فقط علي الحق وأن نصرهم حق علي الله سبحانه إن هم نصروه فيكون لهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
و لكن القارئ لسيرة هذه الجماعات سيجد أن معظم قادة هذه الجماعات قد قامت بتصوير بعض أشكال جناتهم المزعومة علي الأرض حيث يغدقون بالنعم علي من تبعهم في سبيل إقناعهم بعقيدتهم التي تثبتها رؤيتهم المادية لثمار جنتهم من رغد العيش ونعيمه الذي نراه يظهر علي كل من يتبع هذه العقائد كلا حسب درجة إنخراطه في الجماعة ومقدار تحمسه له حيث يكون الجزاء دائما مساويا أو يزيد لمقدار القناعة الفكرية المذهبية التي يبديها هؤلاء الأتباع وهو ما يتطلب للأسف مقداراً مساوياً من التغييب الفكري  بحيث أنه كلما زادت قدرتهم علي تغييب عقول أتباعهم ومحو كل ما تعلموه وتربوا عليه من أسس تربوية وعقائدية ودينية ومجتمعية ليستبدلوه فقط بفكر جماعتهم وأميرهم ومرشدهم الذي يمليه عليهم بل ويكافئهم به أيضا علي حسن أيمانهم بعقيدة الجماعة ليستحقوا حسن الجزاء في الدنيا بفرض نصيبا لهم من غنيمة الجماعة قبل أن يستحقوا حسن الجزاء في الأخرة إن صح أيمانهم وماتوا علي عقيدتهم العرجاء.
أما الإنقسام الذي حدث في الأرمنة اللاحقة بين الجماعة والرافضة فقد ظل محصوراً في كونه إطاراً سياسياً بين أتباع علي كرم الله وجهه وبين أتباع معاوية الذي كان يري أحقية الحكم في بني أميه وخاصة بعد أن تمت بيعته من بعض المسلمين بعد واقعة التحكيم المعروفة. إلا أن الفرقة والخلاف والإنقسام الحقيقي قد أخذ شكله العنصري الذي نحياه اليوم عندما تم تطبيع الصراع بشكله الديني البحت حيث أطلقت الجماعة علي نفسها أهل السنة وجعلت من الرافضه أهل البدعة. ويخبرنا إبن سيرين الذي توفي عام 110 هجرية عن أول ظهور لهذا التقسيم في حديثه الذي قال فيه ((كانوا لا يسألون عن الإسناد حتّى وقعت الفتنة ، فلمّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، ليُحدَّث حديث أهل السنّة ويُترك حديث أهل البدعة)) . وهو الفضل الذي أعطته الجماعة لنفسها ولأتباعها بكونهم أهل السنة يحدثون بما رأوه وعلموه من أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم في حين جعلت غيرهم من الرافضة في مقام أهل البدعة فلايحدثون بحديثهم ولا يعتدون بإسنادهم.
وبهذا أعطت الجماعة نفسها حق الوصاية علي الدين وأصبحت هي المحافظة علي سنة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم و شككت في المرجعية الدينية لكل من خالفها وبالتالي أسقطت عنه أحقيته في الولاية علي أمر المسلمين ، وهو ما كان بداية فكر تديين السياسة في الدولة الإسلامية بعد أن تحكم في رجالات الدولة النزعة القبلية وجعلوا من الحكم هدف بذاته يسعون إليه ويقدمون عليه أي مصلحة مهما علت بل وجعلوا من الدين وسيلة لديمومة حكمهم وهو الشر الذي أبتلينا به منذ أيام معاوية حتي يومنا هذا وندفع ثمنه يوما بعد يوم.
وبإنقسام الإسلام إلي مذهبين سياسيين في البداية بين جماعة أهل السنة المؤيدين إلي حكم معاوية وبين الرافضة المتشيعيين لآل البيت بدأت حقبة جديدة في تاريخ الطوائف الدينية التي كانت تجتمع علي عقيدتها تحت لواء أميرها أو وليها في حين أنها تظهر ولائها للحاكم حتي وإن إختلفوا علي أحقيته في الحكم ولكنه كان ولاء ضعف وإستكانة حتي يتم لهم التمكين في المحافظة علي جماعتهم وفكرهم وعقيدتهم وهو ما كان يمثل الهم الأكبر لكل جماعة حيث إنتهجوا فكر التقية الذي كان يعطيهم الحق في إظهار ما لا يبطنون خشية بطش حاكم أو خشية التنكيل بمذهبهم وأتباعه. لقد تحول الأمر بعد هذه الفتنة الكبري من غلبة المجتمع إلي غلبة الطائفة .. تحول من غلبة الوطن إلي غلبة الحدود اللاجغرافية لفكر الجماعة ......... لقد تحول الأمر للأسف من غلبة الدين الذي إرتضاه لنا العزيز الحكيم إلي غلبة  العقيدة المذهبية التي يرتضيها أمير الجماعة لإتباعه.
وحتي يمكن أن نعلم كيف بدأ هذا الإنقسام ، فإنه لابد لنا من معرفة قصة نشأة فكر الإنشقاق والخروج علي جماعة المسلمين التي بدأت في نهاية عصر ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، حيث بدأ الخوارج في ثورتهم بعد أن إنقسموا إلي ثلاث جماعات سميت جميعها بالخوارج كما أطلق عليهم جماعة أهل السنة فيما بعد إلا أنهم قبلوا بهذه التسمية ولم يجدوا فيها حرجا إذ أعتبروا أنفسهم خوارجا من الخروج علي الحكم الجائر أو الخروج في سبيل الله وهو ما أعتبروه تشريفا لدعوتهم ومذهبهم.
وقد بدأت الخوارج في ثلاث فرق هي :
1-     الأزارقةأتباع نافع بن الأزارق الحنفي ـ من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذّاب ـ وهو صاحب الأسئلة المعروفة في غريب القرآن التي أجابه عليها ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. وقد دخل الأزارقة في حروب كثيرة مع الاُموييّن في البصرة وبلاد فارس دفاعا عن مذهبهم وعقيدتهم بعد أن توقفوا عن مساندة فكرة التشيع لأهل البيت ، حتّى فَنوا على يد المهلّب بن أبي صفرة في زمن عبدالملك بن مروان
2-     النجداتأصحاب نجدة بن عامر الحنفي ـ من قوم مسيلمة أيضاً ـ وقد تمكّنوا من الاستيلاء على البحرين وحضرموت واليمن والطائف في بداية صراعهم مع بني أمية إلا أنهم قد إختلفوا عن الأزارقة في فتوي التقيّة و  القعود عن القتال  حيث خالفت النجدات الأزارقة في جواز التقية وفي جواز القعود عن القتال . ولهذا سميت النجدات أيضا بالعاذرية لأنهم عذروا القاعد عن القتال لعذر وهو ما أباح لهم عدم وجوب نصب العداء للإمام إلا إذا اقتضت المصلحة  تمشّياً مع حالهم في التقية التي آمنوا بها . وقد تلاشت دعوتهم تلقائيا عندما توقفوا عن أمر القتال ودخلوا في زمرة الجماعة راضيين مستصغريين.
3-     الإباضيّةوهي الفرقة الباقية حتي اليوم من بين سائر فرقهم الاُخرى والمنتسبين إلي عبدالله بن إباض. ويجدر الإشارة إلي أنهم لم يستعملوا هذه التسمية في بادئ عهدهم بل كانوا يسمّون أنفسهم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة ولم تظهر التسمية بالإباضية في مؤلّفاتهم إلا بعد ثلاثة قرون تقريباً.  أما مبادئهم التي ميّزتهم عن الفرقتين الأخرتين فكانت كما أعلنها ابو بلال مرداس بن حدير، وهو أحد المحكّمة الاُولى الذي انفصل عن المارقة في البصرة ، قائلاً : (( والله إنّ الصبر على هذا ـ يعني الظلم الاُموي ـ لعظيم .. وإنّ تجريد السيوف وإخافة السبيل لعظيم .. ولكنّنا ننتبذ عنهم ، ولا نجرّد سيفاً ، ولا نقاتل إلا مَن قاتَلنا)). وهذا هو المبدأ الذي ميّز هذه الطائفة عن غيرها من الخوارج بل يمكننا القول أن هذا المبدأ هو الذي حفظ لها وجودها وبقاءها في أشكالها المختلفة وطوائفها المتعددة إلي يومنا هذا عندما وضعت القتال وجعلت من بقائها في حد ذاته هدفا يفوق وصولها للحكم إلي حين.
وقد إنفردت الإباضية في وقتها بعقيدتها التي جعلت من القرأن مرجعا أساسيا لها ولمسند الربيع بن حبيب الأزدي البصري ، وهو ماكانوا يسمّونه « الجامع الصحيح » ويعتقدون بصحّة كلّ ما فيه سواء كان مسنداً أو مرسلاً ، حيث جعلوه أصحّ كتاب بعد القرآن. وقد كان هذا هو بداية الإنشقاق الفكري عند جماعة المسلمين حيث إتفقوا جميعا علي القرأن ككتاب منزل من عند العزيز القدير سبحانه ولكنهم جعلوا من تمام العقيدة التصديق في مسند الإحاديث يقبلون ما يقبلون منها ويرفضون ما يرفضون إن هم إختلفوا مع المسند.
ولهذا وجدنا جميع الطوائف التي خرجت فيما بعد سواء من تحت عباءة جماعة أهل السنة أو جماعة أهل البدعة كما أطلق عليهم ، قد جعلت المرجعية الفقهية قائمة فقط لبعض علمائها أو كتابها أو منظريها يحتكمون إليها عند الإختلاف ويرجحونها ضد أي فكر مناهض لفكرهم وهو ما جعل الدين كله فيما بعد يعتمد علي المرجعية الفقهيه و الرؤية الشخصية للأمير وعلي النواحي التفسيرية لأصول الدين وعلوم القرأن لكل جماعة كل حسب إجتهاده وعلمه وقدراته الفقهيه إذا كان من العالمين بأصول الدين أو حسب طموحاته السلطوية ونزعته السياسية إذا كان من المدعيين المتخفيين برداء الدين.
و الخوارج هي بطبيعة الحال إحدي الفرق الإسلامية التي نشأت في نهاية عهد الخليفة عثمان بن عفان وبداية عهد الخليفة علي بن أبي طالب، نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عثمان عندما قنع هؤلاء الخوارج بدعوة زعمائهم من أمثال عبد الله بن سبأ -الذي إختلف علي وجوده المؤرخين- الذين هاجموا عثمان بن عفان وأتهموه بمحاباة أهله وأقاربه وإغداقه عليهم في العطايا والمناصب والهبات. ولأن معظم هؤلاء الخوارج كانوا من القراء حفظة القرأن ، فقد لاقت دعواهم صدي في نفوس بعض الناس ليلتفوا حولهم وينقلبوا علي أمير المؤمنين ويحيطوا بمنزله بل ويخرجوا عليه حتي قتلوه ... وهم حملة كتاب الله وقراءه وحفظته .... !!!
نعم كان في عثمان رضي الله عنه وأرضاه نزعة قبلية وكان يري في صلة رحم قومه من قريش كرامة ولا يراها سبة بل أنه عندما لامه الإمام علي وأخبره أن الشيخين (يقصد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما) كانا لايضعان أنفسهما موضع ريبة ولا يولون من أقاربهم درءا للشبهه ، فإذا بعثمان يدفع بمنطقه في أنهما ترك صلة رحمهما درءا للشبهه وتقربا لله سبحانه وأنه يصل رحمه تقربا لله ولا يري في ذلك شبهه.
نعم كان لعثمان رؤية خاصة عندما جمع لمعاوية حكم الشام وهو من ولاه عمرا قبل عثمان رضي الله عنهما ولكن بعد موت يزيد أخوه لمعاوية وكان واليا علي الأردن فإذا بعثمان يجمع لمعاوية الأردن مع الشام كما ضم له فلسطين بعد موت حاكمها عبد الرحمن بن علقمه ثم يقوم بعزل عمير بن سعد الأنصاري والي حمص ليضمها إلي ولاية معاوية فيعقد لمعاوية الأجناد الأربعة ويمكنه من أن يبسط ولايته علي بلاد الشام جميعا حتي أن الناس من حوله كانوا لايرونه واليا معينا من قبل أمير المؤمنين، بل كانوا يرونه ملكا متوجا علي بلاد الشام من شدة بسطته علي الحكم وطول ولايته التي إمتدت منذ عصر عمر إلي عصر عثمان والتي إمتدت إلي مايزيد عن عشرين سنه حتي نهاية عصر علي، ليقوم بإعلان نفسه خليفة المسلمين ويجعل من بلاد الشام حاضرة الإسلام وعاصمته.
نعم فرض عثمان علي دولة الإسلام ولاة من بني عصبته من قريش عندما ولي الوليد بن عقبه (أخوه من أمه) علي بلاد الكوفه بالرغم من رفض أهل الكوفه له وتعللهم بأن الوليد كان من المذمومين في عهد رسول الله و أنه قد نزل في ذمه قرانا . حيث غش الرسول وكذب عليه، وأنزل الله فيه قراناً ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينوالمقصود بالفاسق هنا هو الوليد كما أخبر علماء التفسير. وبالرغم من أن عثمان كان علي قناعه بمنطقه ولا يقبل كثيرا المراجعة من أحد إلا أنه عندما أقام أهل الكوفة الحجة علي الوليد بأنه يعاقر الخمر حتي أنهم قد سرقوا منه خاتمه أثناء سكرته ، فقد إستدعاه عثمان للمدينة بل وأقام عليه الحد والذي نفذه فيه الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه.
وبعد عزله للوليد ، قام بتعيين سعيد بن العاص واليا علي الكوفة وهو ما تقبله أهل الكوفة ووجدوا فيه حكما صائبا ..... وهو ما يوضح أن عثمان لم يكن من المتشبسين بفكره وقناعته، أو كان ممن لا يسمعون ولكنه في حقيقة الأمر كان ممن يسمعون ولكن يسيرون وفق قناعتهم في تناول مسئولياتهم ....  وشتان بين هذا وذاك .  
إلا أن سعيد بن العاص قد أثار أهل الكوفه عليه عندما كان يتحدث إليهم في مجلسه ليخرج عليهم بقوله (( إنما السواد بستان لقريش )) وهو مايعني أن قريش قد سادت علي أرض العراق ، فيثور الناس علي سعيد وهو من أرتضوه من قبل ولكنهم ثاروا علي نزعته وقبليته ولم يرتضوها منه لإنهم لم يكونوا يرون فضلا لقريش عليهم ولا حتي بسبقهم إلي الإسلام.
ونعتقد إعتقادا يقينيا أن السبب الرئيسي في إشتعال هذه الثورة علي حكم عثمان يعود إلي التزامن الذي حدث بين أحداث الكوفه والأحداث التي حدثت في مصر عندما كافأ عثمان عبد الله بن أبي سرح - أخو عثمان في الرضاعة - والذي أبلي بلاء حسنا في فتوحاته الأفريقيه ، فما كان من عثمان إلا أن ولاه علي مصر  بعد عزل عمرو بن العاص وهو الأمر الذي رفضه أهل مصر ومشايخها وأرسلوا في ذلك الوفود إلي المدينة ليثنوا عثمان عن رأيه لإنهم قد علموا من أمر عبد الله أنه كان رجل سوء وأنه قد إرتد عن الإسلام وقد أهدر الرسول صلي الله عليه وسلم دمه يوم الفتح إلا أن عثمان قد شفع له عند الرسول ليعلن توبته وإسلامه.
ولكن عثمان لم يكن يري في أخيه جاهليته بل كان يري فيه إسلامه وفتوحاته التي حققها لنصرة الإسلام فثبته علي حكم مصر. ويذكر التاريخ أن عثمان قد كتب له ليترقق في معاملة أهل مصر ويتلطف بهم ، إلا أنه زاد في سطوته وقام بمعاقبة من إشتكوه لأمير المؤمنين ، وهو ما أدي بطبيعة الحال إلي إشتعال سخط الناس علي هذا الوالي المستبد الذي لم يكن يعرف للناس أقدراهم. وهو ما يمكن إعتباره نوعا أخر من القبلية الفكرية التي فصلت بين الوالي ورعيته تماما كما حدث بالكوفه مع إبن العاص ليجتمع الساخطين تحت لواء رفضهم لحكم عثمان الذي ولي عليهم من لا يعرفون للناس قدورهم ..... فكانت الثورة علي عثمان هي ثورة علي عودة القبلية وتحكمها في أركان الدولة قبل أن تكون ثورة علي نزاهة ونقاء سريرة عثمان التي لن ينال منها أبدا ثورة من ثاروا عليه.
ويثبت التاريخ والمؤرخون أن عثمان لم يكن مستبدا في حكمه وأنه كان يأخذ قومه باللين ، إلا أن التاريخ يثبت أيضا أن عثمان كانت له قناعته في إثبات الفضل للسابقين في الإسلام ولقومه من قريش ولعصبته من بني أميه وكان يري أن هذا من صميم الإسلام لإن الله قد خلقنا طبقات ودرجات وأنه لا ضير أبدا من إثبات الأفضلية لشخص علي شخص أو لقوم علي قوم ..... وهذه قناعته ومنهجه الذي كان يحكم به فجعل معظم الولاة علي الأمصار من بني قريش كما وأغدق في العطاء وتوزيع الأموال علي أهل قريش بصفة عامة وعلي بني أمية بصفة خاصة وهو ما دعي بعض كبار الصحابة للخروج علي عثمان مثلما أنكر عليه أبو ذر الغفاري سياساته الماليه وعطاياه الكبيره لإبن عمه مروان بن الحكم وأخاه الحارث حتي قام عثمان بنفيه من المدينة إلي الشام عند معاوية فماكان من أبو ذر إلا أن أنكر علي معاوية نفسه البذخ في الإسراف وفي تشييد القصور . ليقوم عثمان بنفيه مرة أخري إلي الربذه وهي محطة للقوافل تبعد عن المدينة حوالي 170 كيلو متر وفيها مات أبو ذر وحيدا كما أخبر الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم عندما قال: ((رحم الله ابي ذر ، يأتي وحيدا ، ويموت وحيدا ، ويبعث يوم القيامة وحيدا))
وكما رفض أبو ذر الغفاري سياسات عثمان ، رفض أيضا عمار بن ياسر من عثمان أمر توليته لأقاربه دون باقي المسلمين و أمر إطلاق يده في المخصصات المالية ليغدق بها علي من يشاء من قومه الأمر الذي إستقال بسببه عبدالله بن الأرقم من خزانة بيت مال المسلمين في المدينة وكذلك فعل عبد الله بن مسعود من بيت مال الكوفه إعتراضا علي سياسات عثمان المالية في توزيع أموال المسلمين علي أقاربه من بني أميه دون باقي المسلمين.
أما عمار فقد جاهر  برفضه لسياسات عثمان في أكثر من موضع حتي أنه قد إستثاره ذات مرة في جمع من الناس فأمر عثمان بضربه حتي أصيب بفتق وهو الشيخ الكبير ، فيخرج عمار علي الناس وهو يقول : (( والله ليست هذه أول مرة نصاب فيها )). وقد إعترض عمار وجاهر بمعارضته في أمر نفي أبو ذر الغفاري إلي الربذة ولام فيها عثمان بل وجاهر بذلك علي الملأ حتي أمر عثمان بأن يلحق عمار بأبي ذر ، فيعترضه الإمام عليّ في محاولة منه ليثنيه عن قراره ولكن عثمان هاج وثار حتي وكأنه كان سيأمر بنفي الإمام علي أيضا إلي الربذة ، ولكنه ما أن هدأ وعاد إلي طبيعته اللينه حتي رجع في قراره ولم ينفي عمارا ولا عليا.
أما طلحة بن عبيد الله فهو أحد أعلام المدينة وأغنيائها الذين كانوا في مجلس الشوري الذي كونه عمر قبل موته لإختيار من يحكم بعده ، إلا أنه كان في تجارته خارج المدينة وقتها وعندما عاد كان المجلس قد بايع عثمان في وقتها فإمتنع عن البيعة إلي حين ثم عاد وبايع عثمان بعد تدخل ومساعي عبد الرحمن بن عوف وهم من كان يربطهم ثلاثتهم أعمال وتجارة. ولكن التاريخ يقول أن طلحة قد أنكر علي عثمان سياساته بل أنه قد وصل إلي الحد أن شارك مع من حاصروا عثمان في منزله.
إذا لم يكن المسلمين راضيين عن سياسات عثمان وقد أنكر عليه ذلك العديد من الصحابة الذين يشهد لهم التاريخ بفضلهم وورعهم ومكانتهم في تاريخ الإسلام ومواقفهم المشهودة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم كما يشهد تماما بفضل ومكانة عثمان وهو أحد المبشريين بالجنة. إلا أن كل هؤلاء الصحابة لم يخرجوا علي أمير المؤمنين بحد السلاح ولم يتجهوا إلي قتاله وقتله ولم يجعلوا إختلافهم مع سياسته خلافا فقهيا يستخدمونه للخروج علي الحاكم الذي ولي أمر المسلمين ببيعة المسلمين أنفسهم. لقد أدرك المسلمون وقتها أن عثمان كان يتصرف بناء علي قناعته التي سيتحمل هو وزرها إن أخطأ ولكنهم لم يستغلوا هذا الرفض كدافع وحافز لزحزحته عن ولايته لإنهم لم يكونوا دعاة حكم ولا سلطان . كان مبتغاهم أن يُحكَموا بعدل الله أي أن يكون عليهم حاكما يعدل فيهم لا أن يكون أحدهم هو الحاكم لكي يطبق عدل الله بنفسه، لذا كانوا يحاولون تقويم أميرهم ليحكم بينهم بالعدل. أما الخوارج ومن هم علي شاكلتهم ، فقد كانوا يريدون أن يحكموا هم بأنفسهم ، وأن يقوموا بتطبيق العدل كما يرونه وكما فهموه وهو ما لايكون إلا بيديهم حتي ولو أعملوا السلاح فيمن خالفهم ، كان الخوارج علي قناعة أن العدل لن يطبق إلا إن تولوا هم الحكم، كان الخوارج ولازالوا علي قناعة أن لهم كل الحق في الخروج علي الحاكم الذي ولاه المسلمون إن هم لم يرتضوا حكمه ولكن لا يحق لأحد أن يخرج علي فكرهم وعقيدتهم العرجاء إن هو أنكرها عليهم ، وهذا هو الفارق بين المسلمين والخوارج في أبسط صوره.
كان عموم المسلمين يطمحون إلي تحقيق العدالة في أي صورة من صورها بغض النظر عن من هو في سدة الحكم، لأن المسلم الحق لا يجعل أبدا من طموحه لتحقيق العدالة سببا ودافعا لأن يرفع السلاح في وجه ولاة المسلمين حتي وإن أنكر عليهم تصرفاتهم وسياساتهم ، المسلم الحق يرضي بما أرتضته الأمة ولا يجعل من دعواه سببا في زرع الفرقة بين المسلمين لإن الإختلاف مع الحاكم هو أمر بديهي مسلم به مهما كان عدله ومهما كانت مكانته ولكن هكذا هي النفس البشرية التي يسترعيها دائما أخطاء الآخريين  ولو صغرت وتنسي أخطائها مهما كبرت.
لقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل أبي سعيدٍ الخُدْري أنه قال: بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسماً -أي يقسم مالاً-، إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل! فقالويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه. وقد أخبر الأمام البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله حديثاً، فوالله لأن أَخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أنْ أكذب عليه، وإني سمعت رسول الله يقول ((سيخرج قومٌ في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قَتْلِهِم أجراً لِمَنْ قَتَلَهم يوم القيامة)) . لقد أخبرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه هذا عن هؤلاء الخوارج الذين لم ولن يجدوا حرجا في الخروج علي أمير المؤمنين وخليفة رسول الله إن لم يرضهم حكمه كما خرج ذو الخويصره هذا علي رسول الله ليكون بذلك هو رأس الخوارج وإمامهم الذي سيسبقهم يوم الموقف العظيم.
إن الخوارج كانوا ولايزالوا لايرون من العدل إلا ما قاموا هم عليه وإستطاعوا أن يطبقوه بأيديهم ، كان ولازال الخوارج علي قناعتهم بأن ما فهموه من الدين هو فقط الصحيح وأن مادونه باطلا حتي ولو كان من يراجعهم علماء وفقهاء الأمة. هكذا هو فكر من خرج علي المسلمين أنفا ومن سيخرج عليهم اليوم أو غدا لا يقبلون إلا أن يكون لهم ما أرادوا وإلا فلتشهر السيوف وتزهق الأرواح ويعقد لواء الجهاد ....... وترفع رايات الشهادة في سبيل إعلاء دعواهم ضد المسلمين بطبيعة الحال.
ولكن يجب التوضيح هنا أن خطأ عثمان الأول كما يذكر بعض المؤرخين تمثل في أنه ترك الفتوحات ولم يشغل الناس بالجهاد كما أشار عليه عبد الله بن عامر عندما جمع عماله لبحث كيفية التعامل مع هذه الثورات.
منذ وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم إنشغل المسلمون بحربهم مع الفرس وحروب الردة أثناء عصر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ، ثم إنشغلوا بفتوحاتهم لبلاد الفرس والروم في عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ثم إنشغلوا في بدايات حكم عثمان بتثبيت أركان الدولة والفتوحات الأفريقية وهو ما شغل بال المسلمين عن إستدعاء نزعتهم البدوية القائمة علي التفاخر والتباهي بالأنساب، وهو ما حدث بعد أن توقفت الفتوحات بأن بدأت النزعة القبلية تتملك من المسلمين لتبدأ جولات من التفاخر بين بيوت قريش وبعضها البعض من جهه ، وقريش وبيوت العرب من جهه ، و العرب وبيوت الأمصار من جهه أخري .
أما خطأ عثمان الثاني والأهم فيتمثل في أنه لم يستطيع أن يوأد الفتنة في مهدها وأنه قد ترك من ثاروا عليه حتي تجمعوا من الكوفة ومصر والبصرة وحشدوا الحشود حتي جاؤوه إلي المدينة ليعتصموا بها بعد أن تم رفع سقف مطالباتهم من حدود عزل الولاة الذين لايرتضونهم إلي أن يقوم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه بعزل نفسه وترك الأمر للمسلمين ليولوا عليهم من يشاؤون .
لقد تجاوز حلم عثمان مداه في أخذ من ثاروا عليه باللين حين لم يسمع لمطالبهم وهم لازالوا في أمصارهم وأصر علي قناعته ورؤيته ، ولكنهم عندما وصلوا إلي المدينة وحاصروه في بيته فقد إختلف الأمر لإن هؤلاء قد قدموا لخلع أمير المؤمنين الذي إجتمع علي ولايته وبايعته الأمة جميعا . إلا أن عثمان كان لايزال يري أن يأخذهم باللين وهو ما لم يجدي مع من قرروا الخروج عليه بل وإستباحة دمه وقتله في شهر حرام.
و لعلنا بعد هذه القراءة المتأنية في تاريخ نشأة الخوارج نستطيع أن نستوضح أن الخوارج في العموم تتصف بأنها من أشد الفرق دفاعا عن مذهبها وتعصبا لآرائها لإنهم غالبا من حفظة كتاب الله وهو ما يجعلهم يصدقون في فكرهم ولايقبلون بغيره فكرا ، بل يجعلهم يقفون خلف أرائهم في مناهضة حكم أمراء المسلمين مثل عثمان وعلي ومن بعدهم معاوية ويرفضون إيقاف أنهار الدم بين المسلمين والإستماع إلي أصوات عقلاء وحكماء الأمة بمن فيهم عثمان نفسه وعليّ الذي كان يدافع عن عثمان هو وبنيه وأهله بل أنهم لم يستمعوا إلي صوت معاوية الذي كان ينادي بدم عثمان. فإن كانوا قد خرجوا علي عثمان ليولوا عليا ، فلماذا لم يستمعوا لعليّ وخرجوا عليه ؟ وإن كانوا قد قبلوا التحكيم فلماذا رفضوه بعد ذلك ؟ يبدو أن الهدف كان ولايزال هو الخروج علي الحاكم أيا كان حتي يكون لهم الحكم فيقيمون العدل حسبما يرونه حتي وإن ظلموا الأمة كلها في سبيل تحقيق عدلهم البالي.
لقد أصر الخوارج على الاختيار والبيعة في الحكم، ورأوا ضرورة محاسبة أمير المسلمين على كل صغيرة وكبيرة وأعطوا لأنفسهم الحق في المحاسبة والحكم بل والخروج علي الحاكم أيضا. كما رأت الخوارج عدم حاجة الأمة الإسلامية لخليفة في زمن السلم إن توقفت الفتوحات وهو ما يمكن إعتباره سببا مباشرا لقيام هذه الحركة التي هزت كيان الدولة الإسلامية عندما توقفت الفتوحات في عصر عثمان بن عفان فلم يجد الناس مايشغلهم عن قتال الأمم والممالك الأخري من حولهم إلا أن يدخلوا في إقتتال داخل الأمة نفسها وكأن الرغبة في الإقتتال أصبحت هي الهدف بذاته التي يخرج له الناس أيا كان الطرف الآخر الذي سيتم الإقتتال معه.
ولهذا نجد أن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه قد وضع منهجا قويما في التعامل مع هذه الطائفة التي إرتضت الدم مقابل تمسكها بأفكارها ، وذلك عندما منح الخوارج أمانا مشروطا في قولته الشهيرة : (( .. إلا إن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا : لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فينا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا )) رواه البيهقي وابن أبي شيبة .
وقد كان هذا العهد مشروطا بإلتزامهم جماعة المسلمين وكف أيديهم عنهم بالبغي والعدوان، أما إذا امتدت أيديهم إلى حرمات المسلمين فقد أوجب الإمام علي  كرم الله وجهه دفعهم وكف أذاهم عن المسلمين، وهذا هو ما حدث حين قتل الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت وبقروا بطن جاريته، فطالبهم الإمام علي كرم الله وحهه بقتلته فأبوا، وقالوا (( كلنا قتله وكلنا مستحل دمائكم ودمائهم )) ، فسل الإمام عليهم سيف الحق حتى أبادهم في موقعة النهروان.
والغريب في أمر هؤلاء الخوارج أنهم قد بايعوا الإمام عليّ بعد خروجهم علي عثمان وخرجوا معه في قتال معاوية الذي طالب بالحكم بعد أن رفع قميص عثمان ليبلوا بلاءاً حسنا في قتال جيش معاوية القادم من الشام وينزلوا به الهزيمة حتي طلب عمرو بن العاص من جنوده أن يرفعوا المصاحف علي أسنة سيوفهم طلبا لتحكيم القرأن قبل أن يفني جيش معاوية أمام جيش علي من الخوارج. 
أما موقف على بن أبى طالب كرم الله وجهه من هذا الطلب، فإن أكثر المؤرخين يذكرون أنه وقف منه موقف الحذر الحازم، حيث رأى من أول وهلة أن هذا الطلب إنما يقصد به إيقاع الفتنة، والفرقة بين جيشه من جهة وإعطاء الفرصة لجيش معاوية ليأخذ فترة يستعيد فيها قواه من جهة أخرى، وهو ما جعله يحذر أصحابه من مغبة قبول هذا الطلب والوقوع في شرك حيلة عمرو بن العاص وهو ما أيده بعض من أنصاره من أمثال الأشتر النخع الذي أشرف على إلحاق الهزيمة بجيش الشام، لولا منع على له عن مواصلة الحرب عندما قبل بدعوة التحكيم وأمر جنوده بإغماد سيوفهم.
ولكن يري أيضا بعض المؤرخين أن قسمًا كبيرًا من جيش علي -رضي الله عنه- قد أيدوا البدء في التحكيم وأبوا عليه إلا أن يرضي برأيهم في إيقاف الحرب وغمد السلاح. بل أنهم قد أبدوا موافقتهم عليه فورًا دون أن يستشيروا عليًّا كما يقول فله وزن، ووصل بهم الأمر إلى أن خرجوا علي عليًّا نفسه بقولهم أنهم سيفعلون معه إذا لم يوقف القتال ما فعلوا بعثمان أو سيدفعونه برمته إلى معاوية. وهؤلاء الذين خرجوا علي علياً – كما يقول بعض المؤرخين - كانوا من جماعة القراء حفظة كتاب الله الذين أعطوا الفضل لأنفسهم حتي أنهم قد نادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين قائلين له: ((يا علىّ أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتل ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجب)) وكان أشدهم خروجًا عليه ومروقًا من الدين -كما يقول الشهرستاني- الأشعث بن قيس الكندي، وزيد بن حصين الطائي، ومسعر بن فدكي التميمي.
وقد اعتقد هؤلاء القراء أنهم الأعلم بأحكام الدين من عليّ وأتباعه وأن الدين يأمرهم بذلك دون أصحابهم، بل أنهم قد إقتنعوا أنهم هم الوصاة علي الدين وحماته من بغي علياً وأصحابه. ولهذا فما ينبغي لهم الإعراض عن قبوله واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فأرسلوا إلى أهل الشام طالبين منهم أن يبعثوا حكمًا من قبلهم علي أن يبعثوا هم أيضا حكمًا من قبلهم، وأن لا يحضر معهما إلا من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه.
ولقد كان الأشعث الكندي واحدا من الذين كان لهم دورًا هاما في هذا النزاع فكان ممن يحبذ قبول التحكيم وكان يطمئن عليًا بأن الناس قد سرهم التحكيم،  حتي أن معظم المؤرخين قد شككوا في دوره في هذه الفتنة حين وصفه يحيي معمر بأنه كان من أكبر صنائع معاوية في هذا النزاع، كما يخبر الشهرستاني بأنه كان من أشد الخارجين على علىّ وأشدهم مروقًا من الدين، وأيضا نعته المسعودي بأنه هو من بدأ هذا الأمر -يعنى التحكيم- و هو من كان المانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
ولكن في العموم فإن المؤرخين من أهل السنة يجمعون أن علياً كرم الله وجه كان متشككا فقط في طلب التحكيم  وإن لم يرفضه وأنه قد قبله في حين كان جيشه منتصرا وفي طريقه لوأد هذه الفتنه إحتراما للقرأن الكريم الذي تم رفعه علي أسنة الرماح ونزولا علي رأي جماعة المسلمين من حوله وإلي رغبته الأكيده في حقن دماء المسلمين إن كان هناك سبيلا لذلك دون القتال.
وبالفعل توقف القتال و تم التفاهم على أن يمثل أبو موسى الأشعري عليا بن أبي طالب ويمثل عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان، وحددوا موعداً للتحكيم وفي طريق عودتهم إلى العراق خرج إثنا عشرألف رجل من جيش عليّ يرفضون فكرة التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان في النزاع حيث رأوا أن كتاب الله قد حكم في أمر هؤلاء البغاة (يقصدون معاوية وأنصاره) ومن ثم فلا يجوز تحكيم الرجال -عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري- فيما حكم فيه الله سبحانه، فأطلقوا صيحتهم التي أصبحت دعوة كل الفرق التي أتت من بعدهم وحكمت السيف في أمر المسلمين عندما قالوا (( لا حكم إلا لله)) وليتم تسميتهم من بعدها  "المُحَكِّمة"
إنهم "المُحَكِّمة" الذين لايرتضون إلا بحكم الله حكما ، ولكن أي حكم هذا الذي يرتضونه ؟
إنه الحكم الذي يرونه هم فقط أنه الصواب. إنه الحكم الذي يرتضونه هم فقط ويقنعون أنه هو حكم الله. ولما لا وهم حملة كتاب الله وحفظته . إنه حكم الله الذي إرتضوه هم حتي ولو لم يرتضيه خليفة المسلمين الذي بايعوه وحاربوا في سبيل إعلاء حكمه . إنه حكم الله الذي صدقوه هم فقط حتي وإن رأي الإمام عليّ غير ذلك.
إنه الحكم الذي جعلهم يرضون الخروج علي الإمام علي وما أدراكم من هو الإمام علي ؟
الإمام علي إبن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي نام علي فراشه يوم هجرته ليفديه بروحه ونفسه ....
الإمام علي صهر رسول الله صلي الله عليه وسلم وزوج إبنته التي هي واحدة من خير نساء العالمين ....
الإمام علي والد الحسن والحسين أحفاد وأحباب وقرة عين رسول الله صلي الله عليه وسلم ....
الإمام علي الذي قال فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم (( أنا مدينة العلم وعلي بابها )) ....
الإمام علي الذي كان عند رسول الله صلي الله عليه وسلم بمثابة هارون من موسي وهكذا ظلت مكانته عند خلفاء رسول الله من بعده حتي تولي أمر المسلمين وهو لها كارها.
عندما رفع "المُحَكِّمة" صيحتهم أن لا حكم إلا لله في وجه الإمام علي ، فإنهم قد أرسوا مبدأ الخروج علي جماعة المسلمين وقبول إراقة دماء المسلمين نظير الدعوة إلي تثبيت الحكم. لقد أرسي هؤلاء الخوارج بدعة سيتحملون وزرها ووزر كل من سيأتي بعدهم من الأمم ليسير علي نهجهم في فرض فهمه لأحكام الله علي الأمه وفي جواز رفع السلاح في وجه المسلمين إعلاء لصيحته بأن لا حكم إلا حكم الله فقط.
لقد قالها الإمام عليّ : (( إنها كلمة حق يراد بها باطل )) ، ولكن قولته لم تثنيهم عن غيهم بل أنه بعد اجتماع عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وما قام به عمرو بن العاص من التحايل علي مقولة أبو موسي الأشعري ومانتج عنه من تضعيف شرعية عليّ في الحكم و تعزيز لموقف معاوية كما تخبرنا بعض روايات التاريخ، فقد ازداد المُحَكِّمة يقينا بسلامة موقفهم وعقيدتهم حتي طالبوا عليّا برفض التحكيم ونتائجة والتحلل من شروطها و النهوض لقتال معاوية ..... نعم .... لقد إنقلبوا مرة أخري هم أنفسهم علي التحكيم الذي طالما نادوا به .... !!
ولكن عليّا كرم الله وجهه رفض ذلك مرة أخري قائلا: (( ويحكم .. !! أبعد الرضا والعهد والميثاق أرجع؟ أبعد أن كتبناه ننقضه؟ إن هذا لا يحل ودونها الرقاب )) . ومن هنا انشق المُحَكِّمة عن عليّ، واختاروا لهم أميرا من الأزد وهو عبد الله بن وهب الراسبي ليخرج "المُحَكِّمة" علي عليّ كما خرجوا من قبل علي عثمان وكأن الخروج علي الحاكم هو جل همهم وعظيم شأنهم.
وقد إنتهي أمر التحكيم برجوع عليّ وأتباعه إلي العراق أميرا للمؤمنين ورجوع معاوية وأصحابه إلي الشام واليا عليها وهو ما يناقض في العموم الروايات القائلة بخلع عليا ومعاوية لإن جميع المؤرخين والعلماء قد أجمعوا علي أن معاوية لم يكن ينتوي الفوز بالخلافة وقتها ولكنه قد رفع راية الجهاد كولي لدم عثمان ومطالبا بقتلته. وقد قام الإمام علي كرم الله وجهه بقتال هؤلاء الخوارج في العام التالي من موقعة التحكيم فيما إشتهر بعد ذلك بموقعة النهروان والتي إستطاع فيها القضاء عليهم وتشتتيتهم حتي قاموا بإغتياله وهو يصلي الفجر في المحراب ولتكون أخر كلماته قبل لقاء الغفور الرحيم : (( فزت ورب الكعبة )).
إن فكر الخوارج في العموم يقوم علي مبدأ واحد هو الإحتكام إلي الله وتحكيم أوامره وهو مايبدو للعموم فكرا دينيا خالصا في ظاهره ولكنه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه (( قولة حق يراد بها باطل )) حيث لايقبل الخوارج إلا حكم الله الذي يرتضونه هم فقط ويبدون إستعدادهم لكي يقاتلوا ويقتلوا في سبيل قناعتهم وتصميمهم علي إعلاء حكم الله كما يرونه هم فقط . ولكن الكارثة ..... المصيبة ...... اللعنة التي أصابت الأمة من هؤلاء الخوارج ومن تبعهم وسار علي سنتهم أنهم جميعا لايرون إلا صحيح فكرهم ولايقتنعون إلا بما عقلوه من كتاب الله مهما كانت الحجة التي يقيمها عليهم من عارضهم ومهما كان مقامه وعلمه.
ولهذا أجدني أعتقد أن هذا هو قمة الإنحراف الفكري والعقلي والإنساني عندما يقبل بعض البشر تغييب عقولهم ليجعلوا من الخروج علي الحاكم فرضا وأمرا شرعيا إن هم رفضوا حكمه ، بينما نجدهم في المقابل يرفضون أن يرفض الناس أفكارهم وعقيدتهم إن هي خالفت عقيدة الأمة.
ولكن للأسف فإن هذا الفكر البالي يجد صدي عجيب غريب بين عموم المسلمين وخاصة في هذا العصر الذي إنقسم فيه المسلمين إلي العديد من الفرق والنحل التي تري كل واحدة منها أنها هي فقط علي الحق ، فنجدهم وقد قنعوا فقط بما يمليه عليهم علماء جماعتهم وأمرائهم من وحدوية الفكر الذي لا يخدم إلا قضية جماعتهم وأهدافها التي رسمها أميرها مهما إختلفت هذه الجماعات في المذاهب والطوائف والثقافات، إلا أن جميع هذه الفرق قد إتفقت وتوافقت بل وتسير جميعها علي نفس الفلسفة ونفس المنهج في نشر فكر جماعتها والتي تمثلت في خطوات ثابته نراها رؤي العين عند الدعوة لأي فكر جديد:
1.      دعوي إصلاحية
2.      صبغة دينية
3.      تيسيرات عقائدية
4.      تحسينات معيشية
5.      منح مادية
6.      مناهضة إجتماعية
7.      مطالبات فئوية
8.      خطط تمكينية
9.      صراعات طائفية
10.  إنقسامات مجتمعية
وللأسف فإن جميع الفرق والنحل تنتهج هذا النهج حتي يتم لهم التمكين من فرض أفكارهم وتكون لهم المكانة المجتمعية التي يتم حيازتها بقوة الحكم أو بقوة الفوضي أو بقوة السلاح أو بقوة الإستنصار بالأتباع ولكنها جميعا قوة مستترة تحت غطاء الدين تهدف في النهاية إلي تفتيت المجتمع إلي طوائف صغيرة يسهل الإقتتال بينها.
هكذا بدأت الردة بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم ، وهكذا عادت في ثوبها الجديد أثناء الفتنة الكبري لتخرج من ثوب الردة إلي ثوب الخوارج الذين خرجوا علي ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ثم لتظهر في شكلها الإنقسامي النهائي بين جماعة أهل السنة ممن ناصروا بني أمية في حكمهم  وأهل البدعة المارقة ممن تشيعوا لآل بيت النبي صلي الله عليه وسلم لتبقي حتي يومنا هذا جماعات صغيرة تنبعث جميعا بنفس الفكر وتنادي كلا منها بدعواها هي فقط و تري كل من سواها علي خطأ ، ولكنهم جميعا شيعة كانوا أو وسنة يسيرون علي نفس المنهج وكأنهم قد تعلموا جميعهم علي يد نفس المعلم و كأنهم جميعا يقرأون من نفس الكتاب ........ كتاب فكر التقسيم الطائفي للمجتمعات.


Tuesday, December 10, 2013

جمهورية الخرفان. الفصل الثاني - التديين والتسييس

منذ بداية الخليقة ، علم الإنسان أن السيطرة علي مقدرات الشعوب لاتكون إلا عن طريق مدخل الدين .... مدخل العقيدة ..... مدخل القناعة الفكرية . منذ بداية الخليقة عمد كل من أراد ملكا أو جاها أو حتي قيادة مجتمعية إلي أن يصبغ فكره بالطابع الديني أو الطابع اللاديني وكلاهما سواء.
منذ بداية الخليقة عمد كل طامع في ملك أو في سلطة أو في مكانة مجتمعية إلي تحويل الفكر البشري الإجتهادي محدود النظرة إلى كونه مرجعية تشريعية تقديسية تعطي للرأي البشرى القداسة التي تحرم معارضته أو تفنيده وهو ما هدف في الأساس إلي الحفاظ علي المصالح الشخصية في الخصوص أو الفئوية في العموم ولكنها أبدا لم تكن مصالح دينية لإن الدين لم ولن يكون حكرا علي شخص أو جماعة مهما بلغت من آيات الزهد والورع.
أما على الصعيد الخاص بالسياسة و السلطة والوصول إلي سدة الحكم ، فقد عمد كل من طمع في الحكم إلي توظيف جماعة التابعين المعتنقيين لفكرهم الآعور الذي تم صبغة بصبغة الدين و المعتقدات الإنسانية والإصلاحات الإجتماعية للوصول لأغراض سلطوية سياسية يحكمها رغبة دفينه لأصحاب الفكر في الإنفراد بالحكم وتكوين دويلتهم التي تدين لهم هم فقط بالولاء والطاعة والتبعية الفكرية لصاحب هذا الفكر بغض النظر عن تعارض هذا الفكر مع المعتقدات السائدة أو خروجهم علي وحدة المجتمع الذي يعيشون وسطه.
إنها هذه الشهوة السيادية المتأصلة داخل كل منا منذ يوم ولادته وحتي يوم مماته والتي تجعل كل منا يحلم بأن يحكم ويتحكم فيمن حوله ويكون له من القدرة مايجعله قادرا علي تجميع الناس من حوله فيأتمرون بأمره ولايردون له أمرا ويدينون له بالسمع والطاعة عندما يكون له الولاية عليهم ، إنها شهوة الحكم.
عندما خلق العزيز القدير بني أدم أعطاهم العقل ليتدبروا به أمرهم كما وأعطاهم من الشهوات ما تتحكم في درجة أيمانهم وإنصياعهم لحكمه وبين قدرتهم علي تحكيم عقلهم أو إحتكامهم إلي شهواتهم تأتي درجة أيمان كل إنسان وبالتالي تتحدد نسبة فلاحه في إجتياز إمتحان الدنيا أو الإخفاق فيه.
وقد جعل الله سبحانه وتعالي الشهوات درجات مابين الشهوات السائدة والشهوات السيادية. والشهوات السائدة هي تلك الشهوات التي تتحكم في جميع بني أدم علي مختلف أشكالهم وألوانهم وإنتمائاتهم بنفس القدر من التملك لإنها شهوات حسية ملموسة مثل شهوة الأكل والشرب والنوم والجنس . فكلنا تتملكه هذه الشهوات ، وكلنا نستجيب لها في نهاية الأمر إذا ما تملكتنا كل حسب قدرته ولكنه في النهاية لابد أن يستجيب لها وإلا نغصت عليه عيشته وجعلته يفقد الإحساس بنعيم الحياة. فمن منا يستطيع أن يصبر علي ألم الجوع ، أو من منا يستطيع أن يقاوم النوم ....... وإلي متي ؟
أما الشهوات السيادية فهي تلك الشهوات النفسية التي تحيا بداخلنا وتتملكنا ولكننا لا نستطيع أن نطلق لها العنان إلا إذا سخرنا لها قدرتنا وأوجدنا لها المقومات اللازمة لتحقيق هذه الشهوة. كلنا لدينا شهوة التفاخر سواء بالعلم أو بالمال أو بالنسب أو بالأعمال، ولكن هذه الشهوة لانطلقها إلا إذا كان لدينا ما نتفاخر به أو إذا ما أوجدنا لأنفسنا ما نتفاخر به حتي ولو كان حفظنا لبعض آيات القرأن.
كم مرة جلستم مع بعض الناس لتجدوهم يبدأون في تحويل مجري الحديث حتي يستطيعون أن يدعموا قولهم ببعض الآيات التي يحفظونها لإثبات أنهم أهل ذكر بما يجعلهم يستطيعون التفاخر أمامكم بما يحفظونه من أيات ليستدلوا بها علي مدي علمهم وتفقههم في الدين.
ولكن تبقي شهوة الحكم هي الشهوة ..... إنها الشهوة التي تتولد داخلنا ونحن لازلنا أطفال عندما نستمر في البكاء والصراخ إذا لم يستجيب لنا الأهل فيما نطلبه لنجعل من طلباتنا أوامر لاتقبل إلا التنفيذ وإلا ملئنا أسماعهم صراخا وعويلا حتي يستجيبوا لنا. وعندما نكبر ، تكبر معنا هذه الشهوة ولكنها تظل كامنة داخل كل فرد فينا لانستطيع إخراجها لإننا فقدنا ميزة دلال الطفولة التي كانت تجعلنا نحكم تحت وطأة صراخنا أو بكائنا أو دلالنا. فنبدأ في البحث عن المقومات الجديدة التي يمكن أن تصل بنا إلي سدة الحكم
إن شهوة الحكم لايمكن إطلاقها إلا إذا توفرت لها من المقومات مايجعلها مقبولة من الآخريين لإنها شهوة تتولد داخل الإنسان ولكن يلزمها في المقابل شهوة الإستكانة إلي قبول الحكم عند الآخريين.
فالإنسان الذي تتملكه شهوة الحكم لابد له من أن يعززها بالكثير من إصباغ العلم أو القدرة أو القوة أو الثقافة أو المعرفة أو الجاه علي نفسه بما يعطيه القدسية التي تجعل ممن حوله يميلون إلي إشباع شهوتهم  في الإستكانه إلي حكم من هو أقدر وأعلم وأقوي حتي يكون لهم جزاء التابعين. لهذا سنجد أن التاريخ يحدثنا عن عدد قليل جدا من القادة الذين غيروا مسار التاريخ بما أتيح لهم من التحكم في شعوبهم من خلال فرض قوتهم وقدرتهم وتعزيزها بالهالة القدسية التي أعطوها لأنفسهم وفي المقابل إستسلمت هذه الشعوب لهم وسارت ورائهم وقبلوا أن يموتوا في سبيل القضية التي حلم بها القائد وجعل منها محورا لتمكينه من الحكم والأمثلة علي ذلك كثيرة جدا ولكن مهما بلغ عدد هؤلاء الحكام أو القادة فما هم إلا الآلوف وسط بلايين البشر.
 ودعونا نعود بالذاكرة إلي قديم الزمان منذ نشأة التاريخ وتكوين الدول والإمبراطوريات والكيانات المجتمعية التي تشكل تاريخ البشرية والذي منه نستمد حاضرنا ونستطيع أن نرسم مستقبلنا. عندما بدأ المصري القديم في الاستقرار في الوادي و التأمل في الموجودات من حوله , خرج بنتائج هذا التأمل و هي عقيدة المصري القديم و حضارته التي إعتنقها وظلت باقية حتي يومنا هذا. إنها صفة وجدت في المصري القديم منذ بداية حضارته و استمرت معه و هي الارتباط القوى بعقيدته التي تغلب علي كل من عاش علي أرض مصر من فراعنه وهكسوس وبطالمة ورومان ووصولا إلي العرب بمختلف ممالكهم ومرورا بالمماليك حتي نصل إلي المصري اليوم.
لم يكن ملك مصر على مر التاريخ المصري القديم مجرد حاكم أو مالك للأرض و لكنه كان رمز ديني، فأحيانا يعتبر إله كما في الدولة القديمة أو قد يعتبر شخص مكلف من قبل الإله أو قد يتم تنصيبه ابنا للإله لإنه بهذا الوصف كان يجد قابلية من الشعب لحكمه بدون الدخول في أي صراع فكري أو سياسي لإن الشعب المصري بصفة خاصة وشعوب العالم من حوله بصفه عامه كانوا يرفضون أي حاكم أو ملك له مرجعية سياسية ولكنهم يقبلون علي إستحياء من إصطبغ بالصبغة الكهنوتية وكان حكمه قائما علي مرجعيته الدينية فيصبح رفض الحكم هو رفضا للدين وهو ما لايقبله العامة الذين يجدون في الدين خلاصهم من متاعب وشقاء الحياة التي يعيشونها.
على مر التاريخ المصري الفرعوني إقترنت دائما السياسة بفكرة التديين وإصباغ أهل السياسة بالصبغة الدينية عندما إنحصر هدف أي صراع سياسي إلي وصول الشخص أو الجماعة الأكثر سيطرة والأكثر تنظيما للحكم ومباركة ذلك من قبل الشعب الذي تعود علي أن لا يرفض الحكم الذي له مرجعية دينية وعقائدية تتماشي مع عقيدة المجتمع. ونظرا لإن قابلية الحاكم مرتبطة بالدين عند المصري القديم ، لهذا وجدنا الأطراف المتصارعة على الحكم وقد لجأت إلى تديين السياسة للحصول على مباركة الشعب لمن سيحكم حتي وإن كان أبعد مايكون عن الدين.
بل أن الحاكم المصري عندما كان يواجه ببعض المعوقات التي تؤثر على قابليته للحكم مثل الأصل الملكي كما في حالة الملك تحتمس الرابع الذي لم يكن من اصل ملكي خالص فنجده وقد إستعان بكهنة رع لتأليف قصته المشهورة المذكورة على لوحة الحلم الموجودة حاليا في جبانة الجيزة بين قدمي تمثال أبى الهول و التي بمقتضاها يوضح انه مكلف من قبل الإله (رع حور أختى) لكي يحكم مصر و هي القصة التي مكنته من اعتلاء عرش مصر و الحد من سلطة كهنة العقيدة المنافسة عقيدة آمون ليكون تحتمس الرابع هو من أوائل الذين إستخدموا فكرة الإستعلاء بالأوامر الآلهية لكي يصل إلي الحكم ويخضع الشعب لمشيئة الألهه التي قررت أن تنصبه حاكما بغض النظر عن إستحقاقه لهذا المنصب من عدمه طالما أنه حصل علي تعميد الكهنه بأنه مكلف من قبل الآلهه.
كما ويخبرنا التاريخ أيضا عن الملكة حتشبسوت التي كانت تريد الاستقلال بحكم مصر و هي امرأة وهو ماكان تمنعه أو ترفضه تقاليد المجتمع من تولي أمرأة لحكم البلاد ولكنها إستحضرت قصة تحتمس الرابع لتقوم بالإستعانة بكهنة آمون لتأليف قصة الولادة الإلهية المذكورة على جدران معبدها في الدير البحري و التي بمقتضاها استطاعت أن تثبت إنها ابنة الإله و أنها الأحق بحكم البلاد و بالفعل استطاعت أن تستقل بالحكم. و هكذا كان الحكام دائما ما يلجأون إلى الكهنة لكي يؤلفوا لهم القصص الدينية التي تعطيهم القابلية للحكم وكان الشعب في كل الأحوال يقبل حكم الدين ويعليه علي العقيدة المجتمعية السائدة مهما تضمنت من تناقضات.
و علي الجانب الأخر قامت بعض المذاهب الدينية بتوليد ثورة عقائدية لتحقيق أهداف سياسية كما حدث في حالة الملك اخناتون صاحب فكرة عقيدة أتون الجديدة التي ألغت كل العقائد الأخرى بأطرها و كهنتها و علت بفكرة الإله الواحد و الكاهن الواحد الذي أعتبر أنه هو المتحدث الأوحد بأسم ذلك الإله ليصبح في نفس الوقت الملك الحاكم و بهذا كان من السهل عليه الاستقلال بالسلطة و الحد من نفوذ أي سلطات دينية أخرى غير سلطة الملك الحاكم الكاهن .ويجدر التأكيد أننا هنا لا نناقش صحة الفكرة العقائدية من عدمها ولكننا نتعرض فقط لفكرة إستخدام العقيدة بغرض الوصول إلي الحكم أو إلي البقاء فيه وهذا هو لب الموضوع
لهذا نجد أن إستخدام العقيدة في الحضارة المصرية القديمة كوقود للأهداف و الصراعات السياسية قد أدى إلى تفكك المجتمع وتغييب جموع الشعب الذي تفرق علي عقائد و مذاهب مختلفة كلا حسب قدر ثقافته وتصديقه في عقيدته بصفة عامة أو حسب قدر إنتفاعه من الدخول والإنخراط في هذه العقيدة بصفة خاصة وهو ما أدي إلي تفكك البلاد و الوصول إلي مرحلة الاضمحلال. بما فتح المجال للقوى الاستعمارية من الخارج لاحتلال البلاد مثلما حدث في فترة الاضمحلال الثانية و في العصر المتأخر
لقد كان هذا الاستخدام المسيس للدين سبباً رئيسيا من أسباب ضعف الدولة المصرية القديمة و بالتالي إضمحلال الحضارة المصرية بل و زوالها كلية في عصور ما بعد الحضارة الفرعونية القديمة وقيام الحضارات المتعاقبة علي مصر فيما بعد ذلك.
ولكن يذكر التاريخ أن المصريين لم يكونوا بهذه المسالمة التي يمكن تصورها كنتيجة لتقبلهم لحكم الكهنة وسياسات ملوك الفراعنة التي تم تديينها وتعميدها من قبل كهنة الآلهه. حيث أن المصريين القدامي قد قاموا بأول ثورة في التاريخ بالشكل الذي نراه علي شاكلة ثورات اليوم وذلك في أواخر القرن الخامس قبل الميلاد في نهاية عهد آخر ملوك الأسرة السادسة وآخر ملوك الدولة القديمة «ببي الثاني» بعد فترة حكم استمرت نحو 96 عاماً، حيث تولى الحكم وعمره أربع سنوات وامتد به الحكم حتى بلغ مئة عام وهي أطول فترة حكم في تاريخ مصر الفرعونية.
أما السبب المباشر لهذه الثورة كما يقول الباحث الأثري أحمد صالح مدير آثار أبو سمبل والنوبة فتكمن في تراجع نظرة المصريين لحكامهم «الملوك الآلهة» حتى وصلت الى إعتبارهم «أنصاف الآلهة»، مشيراً الى أن «مينا» موحد القطرين كان اسمه «ابن الإله»، هذه النظرية دفعت الملوك بمن فيهم «ببي الثاني» لإساءة إستخدام السلطة الممنوحة له والتي تم مباركتها من الشعب بعد أن دعمها كهنتهم ، ولكن التحول الذي طرأ علي نظرة الملك لشعبه كخدم لمشيئته الملكية المدعومة من الآلهه وما تبعها من تغيير في سياسات الدولة من إهمال رعاية الشعب وتوفير القدر النذير من متطلبات العيش والإهتمام بإنشاء المعابد والمقابر والتي تطلبت الإستيلاء على مقدرات الدولة كلها بل وفرض الضرائب الغير مسبوقة علي الشعب في حين خصصوا جزءاً قليلاً من محصلات الدولة لرعاية أمور الشعب، كل هذه الأمور جعلت المصري القديم يثور علي هذه السياسات العرجاء بل ويثور علي كل المقدسات الدينية ليعلن في إباء أن السياسة ولو تم تديينها ، فإنها لا تصلح إلا إن راعت حقوق الشعب.
ومن أهم مكتسبات هذه الثورة الفرعونية أن المصريين قد كفروا بأصحاب السلطة الدينية وخرجوا عليهم في إعلان رسمي لرفض السياسة الغاشمة حتي ولو تم تديينها ، حيث اكتشف المصريين القدامي أن الملك وحاشيته وكهنة المعابد ما هم إلا أصحاب مصالح ونفعيين ولا يهمهم إلا الثراء بعيداً عن الشعارات التي يرفعونها باسم الإلهه أو بإسم الدين. لهذا إنقلب المصريون على الكهنة وهاجم الثوار المقابر والمعابد، قواعد الحكم الديني، رغم أن المصريين من الشعوب المدمنة للإيمان، ويعملون في حياتهم لكي يؤمنوا حياتهم في  العالم الآخر أكثر من عملهم  لتأمين حياتهم في هذه الدنيا وهو الأمر الذي إشتهرت به مصر الفرعونية ولكنه إستمر كطابع خالص للمصريين مع إختلاف أنظمة الحكم عليهم وتغيير المعتقدات الدينية من الديانات الفرعونية بكافة أشكالها إلي دخول الديانات الإغريقية والتي تبعها الديانة المسيحية بعد الإحتلال الروماني لمصر وإنتهاء بإنتشار دين الإسلام في مصر حتي يومنا هذا، ولكن كل هذه المعتقدات لم تؤثر علي عقيدة الإنسان المصري التي جعلته يعمل لأخرته قبل دنياه وجعلته يصدق كل ما تخبره به هذه العقيدة ويثبته له كهنتها الذين إكتسبوا مكانتهم داخل وجدان الشعب المصري طالما إحتفظوا بمصداقيتهم و أثبتوا إنحيازهم إلي الشعب أمام طغيان الحكام وهو ما إفتقده كهنة الآلهه قبل قيام هذه الثورة التي كفرت بهؤلاء الكهنة ومن ثم بالملوك الذين يؤيدونهم.
وبقيام هذه الثورة والتي إستمرت لفترة طويلة من عمر الشعب المصري إنتشر فيها أعمال الشغب والبلطجة إلي الدرجة التي أطلق عليها المؤرخين أنها ثورة الجياع تماما كما يطلق علي ثورات هذا العصر، فقد دخلت مصر في مرحلة من عدم الإتزان لم تنتهي إلا عندما تم إختيار حاكم من الشعب هو الملك أمنمحات الأول.
ولكن لإن طبيعة هذا الشعب الذي ولد التاريخ علي يده كانت تنطوي علي هذه المرجعية الدينية في كل نواحي الحياة ، حتي بعد أن لعب القدر دوراً كبيراً في إختيار الملك المصري الجديد الذي إستطاع توحيد المصريين وإعادة بناء الدولة وذلك حسب بردية «نفر تي» التي أخبرتنا عن الملك أمنمحات الأول بصفته «ابن الشعب» و الذي وجد نفسه يتصدر الأحداث في زمن الثورة نظراً لخلفيته العسكرية، ولكن كالعادة بدأ الناس في التشكيك في دمه الملكي أو أنه «ابن الإله» أو ممثل للإله بما لا يعطيه الحق في حكم البلاد ، لتظهر قصة «أميني» الملك الذي يأتي من الجنوب لحكم البلاد و التي اقنع الناس أنفسهم بها ليقبلوا أمنمحات الأول كملك لمصر وليتم تعميده من قبل الكهنة وكأن الحكم لا يكون إلا لمن أعطي الصبغة الكهنوتية وتم قبوله أولا من رجال الدين قبل أن يقبله الشعب ويقر له بالحكم ..... عجيب أمر هذا الشعب .... يثور ويفور ثم يأتي بصورة مستنسخة مما ثار عليه.
ويخبرنا التاريخ عن أعمال الشغب التي تمت أثناء هذه الثورة أنها كانت غير مسبوقة وأنها كانت دموية بالشكل الذي تحوّل معها لون النيل إلى الأحمر ولجأ المصريون لحفر الآبار بقرب النيل ليشربوا مياهاً نظيفة! فقد اقتحم الشعب أثناء الثورة الأهرامات والمعابد ودور الكهنة في إعلان صريح عن ثورة المصريين القدامي علي النظام الكهنوتي الذي دعم نظام الحكم الفاسد وفي رفضهم لكل ما تم تقديسه قديما حيث هاجم المصريين تماثيل الآلهه التي كانت تحمي المقدسات الملكية وقاموا بسرقة موموايات الملوك وحاشيتهم وألقوا بها في الطرقات كإعلان للثورة علي المقدسات الدينية، كما وقامت الجماهير بسرقة الكنوز الموجودة بهذه القصور والمعابد وهو ما يعتبر هجوماً على النظام الحاكم. كما قام الثوار حسب بردية «نفر تي» بمهاجمة مجالس القضاء وحرق مستندات القضايا وإلقائها في الشارع مؤكدين أن القضاء لم يكن نزيهاً في عهد «بيبي الثاني» ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هاجموا المكاتب الحكومية التي توجد بها السجلات التي تضم مديونيات الشعب وقيمة الضرائب المفروضة عليهم والتي كانت هي السبب الإقتصادي المباشر في قيام هذه الثورة ليتم إخلاء طرف الشعب بإرادة الشعب من كل مستحقات الجباية التي فرضها عليهم الملك الإله الذي رفضه الشعب ورفض وصايته علي الحكم.
وقد أطلق أنصار الطبقة الحاكمة من الحاشية الملكية وكهنة المعابد في ذلك الوقت علي هذه الثورة «ثورة الجياع» أو «ثورة الفقراء» كما ورد في البردية التي وثقت الثورة و حاولوا تصويرها على أنها «انقلاب اجتماعي» في حين أنها كانت ثورة بكل ما تعنيه هذه الكلمة لأن المصريين تحركوا في وقت واحد وفي أماكن متفرقة من البلاد لإسقاط نظام حكم بيبي الثاني بكل ما تضمنه من هيمنة سياسية ودينية ، أعقبها فترة إنتقالية تضمنت أربعة أسر حاكمة ولكن لم يدوم حكمها كثيرا حيث يخبر التاريخ أن مصر قد تولي الحكم فيها 70 حاكما خلال 70 يوما من شدة الإضطرابات التي جاءت بها هذه الثورة ولإصرار الشعب علي رفض كل ما كان علي علاقة بنظام حكم بيبي الثاني
وهو مايظهر التغيير الجذري في رؤية المصري القديم للحكم العادل الذي يجب أن يكون حكمه مدعوما بالشعب ولا يعمل إلا لصالح الشعب حتي وإن كان مدعوما بمباركة الألهه وتأييد كهنتهم ، إلا أن سر الملك يبقي دائما في قدرة الحاكم علي إحتواء شعبه بالشكل الذي يقبله الشعب أولا وأخيرا ، فإن لم يكن تديين السياسة هو الحل ، فليكن إذا تسييس الدين وهو ما سنراه واضحا جليا خلال الفصول التالية.
عندما فتح الاسكندر المقدوني مصر في خريف عام 332 , و بمجرد أن وصل إلى منف – عاصمة الدولة المصرية في حينها - حتى سارع إلى تقديم القرابين للالهه المصرية الوطنية ؛ و تتويج نفسه في معبد فتاح على نهج الفراعنة القدماء وكأنه أحد هؤلاء الملوك الفراعنة؛ و السؤال هنا هل كان الاسكندر حقيقة يؤمن بالعقيدة و الآلهة المصرية القديمة ؟ هل قرر الإسكندر المقدوني الفاتح العظيم - تلميد الحكيم أرسطو الذي ينتهج المدرسة الأرسطية الفلسفية ويتبع العقيدة والثقافة اليونانية - أن يتبع العقيدة المصرية القديمة بمجرد دخوله لأرض مصر؟
بالطبع لا يمكننا التصور بحال من الأحوال أن يتحول هذا الشاب ذو العقلية الفذة والذي تربي بين عظماء الفلاسفة في زمنه وحارب من أجل عقيدته وسار إلي أقاص الأرض من أجل إعلاء ثقافته وعقيدته بل وقوميته ، من الصعب جدا أن نصدق أنه تحول فجأة بمجرد دخوله مصر إلي إعتناق الديانة المصرية. ولكن الواقع يخبرنا انه لم يريد بفكرة تتويجه من قبل آلهة المصريين إلا أن يحصل على قابلية المصريين لحكمه ودخول مصر سلميا ضمن الإمبراطورية التي كونها. لهذا فقد إختار كالعادة تسييس الدين لتحقيق ذلك و كان الوضع مؤهل لذلك بعد عصر من الاضطهاد الديني عاشه المصريون من قبل الفرس أثناء حكمهم لمصر بعد وقوع الدولة المصرية القديمة. 
و لعل ما يؤكد نظريتنا من تمسك الاسكندر بالحضارة الإغريقية التي تربي عليها وحارب من أجلها وفتح أقاصي الأرض إعلاء لها انه يوم خرج من بلاده قاصدا فتح الشرق فقد أعلن انه رافع لواء الحضارة الإغريقية و لهذا نجده بعد تتويجه في منف أنه قد أقام حفلا إغريقيا رياضيا موسيقيا خالصا حسب الطقوس والمراسم الإغريقية التي تربي عليها وشاركه فيها المصريين ممن قبلوا بحكمه بعد تتويجه من كهنة معابدهم بعد أن أعتبروا أن طقوس الإحتفال الأغريقية هي مشاركة منهم لمليكهم الجديد الذي شاركهم عقيدتهم فشاركوه هم إحتفاله.
 و من هنا يتضح لنا أن سياسة الإغريق بداية من الاسكندر المقدوني وحتى نهاية العصر البطلمى كانت تعتمد في المقام الأول علي تسييس الدين لبسط السيطرة على الشعب و الإنفراد بحكم مصر وقهر أي مقاومة شعبية لحكمهم الذي تم صبغته بالشكل الديني العقائدي الذي يمنع المصريين من مناهضته. يتجلى هذا الفكر لنا بشدة في العصر البطلمى بعد أن استقل بطليموس الأول بحكم مصر بعد أن أعلن نفسه ملك مؤله على مصر و أعطى لنفسه حق ملكية أراضى البلاد و اعتبره حق ديني منحته أياه الألهه المصرية ؛ فما كان منه إلا إن أقام ثلاث ولايات إغريقية تعامل معاملة الولايات الإغريقية ولها كافة حقوق المواطنين من التمتع بالثقافة الأغريقية و هذه الولايات كانت الإسكندرية و بطولوميس و نقراطيس ، أما بقية الاراضى المصرية و التي كان يسكنها المواطنين المصريين الأصليين ذوي الثقافة المصرية و العقيدة المصرية فكانت أراضيهم كلها تعد من أملاك الملك الإله و أهلها هم عبيد له يعملون في خدمته ويعيشون عبيد إحسانه وعطاياه.
وتدل الوثائق التاريخية الهيروغليفية و الديموتيقية أن الملك بطليموس الأول حمل بعض ألقاب ملوك الفراعنة التقليدية كما فعل أيضا الملك بطليموس الرابع الذي إتخذ كامل صفة الملوك الفراعنة ليضمن ولاء المصريين التام له عندما قرر في عهده الاعتماد علي المصريين في تكوبن جيش قوي يمكنه من تحقيق مخططه التوسعي فما كان منه إلا محاولة التقرب منهم عن طريق الدين لكي يضمن ولائهم .
و لكن البطالمة من داخلهم وعلي مدي فترة حكمهم لمصر التي إستمرت قرابة ثلاثمائة عاما تولي خلالها 15 ملكا وملكة من البطالمة الحكم كانوا متمسكين بعقيدتهم الإغريقية و آلهتهم الإغريقية و هذا التمسك كان يظهر لنا في الولايات التي تم فصلها لتعامل معاملة الولايات الإغريقية في مصر. و لكن يجب الإشارة هنا إلي أدراك البطالمة لتأثير مكانة الكهنة المصريين على عامة الشعب وقدرتهم علي نشر الهدوء والسكينة بين جموع الشعب بمجرد إشارتهم لمكانة الملك الدينية وتثبيت الآلهه لحكمه وقرارته ، وهو ماجعلهم يعملون حثيثا علي إستمالتهم عن طريق العامل المادي في معظم الأحوال وعن طريق الحظوة والمكانة في بعض الأحوال والترهيب من فقد الحظوة في أغلب الأحوال ، وذلك لاستغلالهم في تثبيت حكمهم وإحكام قبضتهم علي الشعب لقبولهم ملوكا لمصر وشعبها.
و مثلهم مثل كل من جاء لحكم مصر، لم يدرك البطالمه فكرة النزاع العقائدي في مصر بين كهنة منف و كهنة آمون وقدرة كل فريق علي الإستنصار بأتباعه الذين لايوالون إلي ملك أيا كان ، ولكنهم يوالون عقائديا ونفسيا وجسديا لكهنة عقيدتهم ومن يرتضونه حاكما عليهم. لهذا كان يتقلب الأمر عليهم لنجد توتر في علاقة البطالمة مع كهنة آمون مقابل تحسن العلاقة مع كهنة منف و العكس. و هو ما أدي إلي ظهور الضغائن و كان بداية الثورات الشعبية التي بدأت بتأييد ديني من الكهنة حتى أهلكت هذه الثورات الحكومة المركزية البطلمية و كانت سبب رئيسي من أسباب ضعف دولة البطالمة و انهيارها  لصالح الحكم الروماني في مصر
 و الغريب في الأمر أن الملك بطليموس الأول قد حاول جمع الكهنة لخلق ديانة جديدة "ديانة سيرابيس" تجمع بين العقيدتين المصرية و الإغريقية للتأليف بين قلوب الشعب في محاولة منه لتسييس الدين عن طريق خلط الأوراق والجمع بين المعتقدات المختلفة وإعلاء عقيدة جديدة يمكن أن تصبح هي العقيدة السائدة لكل الشعب حتي يستطيع الإنفراد بالحكم بعيدا عن أي منغصات أو أطماع سلطوية من أي عقيدة أخري وهو ما يماثل محاولة الملك المصري القديم اخناتون ولكن مع الفارق أن إخناتون كان يدعو إلي الآله الأوحد أتون في حين أن بطليموس الأول قد عمد إلي الجمع بين الآلهه في ثالوث حاكم مكون من الإله سيرابيس الاغريقى و الألهه المصرية ايزيس و إبنهما هاربوكراتس الذي يعتبره البعض محاكاة لأسطورة خلق الإله حورس.
وقد أقدم الملك بطليموس الأول علي هذه الفكرة عندما لاحظ تعدد الفرق و الأجناس ذات الثقافات الدينية المختلفة مما قد أثر فعليا على وحدة البلاد و شكل تهديدا حقيقيا للحفاظ على ثروة مصر التي كانت من وجهة نظرة مرتبطة بأنغماس المصريين داخل العقيدة الإغريقية. و رغم أن ديانة سيرابيس هذه قد انتشرت ليس فقط في مصر بل في معظم دول البحر المتوسط لكنها لم تحقق الغرض السياسي المرجو منها حسبما تفيد كل كتب التاريخ التي أهتمت بدراسة هذه الحقبة.
لم تستطيع هذه الديانة الصمود أمام تمسك المصريين بعقيدتهم القديمة و حتى من عبدوا ثالوث سيرابيس عبدوهم بصفتهم آلهة مصرية و هو نفس ماحدث مع الإغريق الذين لم يروا في هذه الديانة إلا أنها شكل من ألهتهم الإغريقية.. لهذا لم تنجح هذه الديانة في استقطاب قلوب لا المصريين ولا الإغريق لأنها كانت واضحة حتي لمن إعتنقها أنها محاولة دينية مستترة لتسييس الدين فشلت كما فشلت من قبل عبادة أتون في مصر القديمة.
هل إستطعنا أن ندرك قدم فكر تديين السياسة أو تسييس الدين؟
هل إستطعنا أن نري جليا أن هذه الفكرة هي من أساسيات ومبادئ الفكر السلطوي الإنساني وأن معظم الحضارات الإنسانية إن لم يكن كلها قد إنتهجت هذا الفكر ليس لأنه الفكر الأصوب ولكن لأنه أقصر الطرق التي تمكن الأقلية الحاكمة من السيطرة علي الأغلبية المحكومة التي بيدها مباركة أمر الحكم و دعم إستمراره وإعطاء الصلاحيات لمن بيده الحكم .... أنه أقصر الطرق للسيطرة علي الشعوب التي قد تعلي من الحاكم حتي تؤلهه أو قد تهوي به إلي أسفل السافلين إذا فقدت أيمانها بمصداقية دعوته وتأكدت من عنصريته الفكرية وولاؤه القبلي
لم يقف هذا الفكر العنصري عند حد المصري القديم بل تدرج مع السنين ووصل إلي كل الحضارات من حوله التي نشأت موازية للحضارة المصرية أو حتي في الأزمنه اللاحقه والأمثلة كثيرة ..... كثيرة.
في العصر الأول من بداية الحكم الروماني لمصر ، كان الرومان ينظرون إلى معتقدات المصريين نظرة دونية مليئة بالإحتقار حيث كانوا يعتقدون مثلهم مثل كل من يعتقد في صحة معتقداته فلا يري من معتقدات الآخر إلا سفاهتها ودونيتها. لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة إزاء استمساك المصريين بمعتقداتهم حيث أدرك أباطرة الرومان حاجتهم لإستخدام هذه المعتقدات بدلا من تسفيهها وذلك لإصباغ حكمهم بالشرعية اللازمة للحصول على قابلية الشعب لحكمهم و ضمان إخلاص الشعب لهم ؛ فما كان منهم إلا أن ساروا علي درب البطالمة في اتخاذ صفة الفراعنة ، فوجدنا حاكم مصر الروماني وهو يتشبه بالفراعنة فلا يركب النيل وقت الفيضان و يقدم القرابين عند بلوغ النيل أقصى ارتفاعه و غيرها من المظاهر التي إعتاد عليها المصريين. و أيضا اخذوا عن المصريين و الإغريق تأليه الملوك فقرنوا الأباطرة بالآلهة مثلما قرنوا الإمبراطور أغسطس بالإله زيوس أو عندما قرنوا الإمبراطور نيرون بالإله أجاثادايمون , أما في علاقة الرومان بالفرق الدينية المختلفة داخل مصر فقد اتبعوا سياسة فرق تسد لصرف هذه الفرق في النزاع فيما بينها بدلا من التوحد و الثورة على الرومان.
أما في الفترة الثانية من حكم الرومان وهي التي بدأت بعد ظهور المسيحية و انتشارها حتى أصبحت الديانة الأولى منذ عهد ديوقلديانوس حتى دخول العرب فسنجد أن الأمر قد تحول من تسييس الدين إلى فكر تديين السياسة حيث انتشرت المسيحية في مصر منذ بداية القرن الثالث الميلادي و تمكنت من التغلب على الأفكار والعقيدة الوثنية التي حكمت مصر قرونا طويلة إلا أن الخلافات بدأت تظهر بين المسيحيين أنفسهم عند ظهور بعض الفرق صاحبة الأفكار الجديدة مثل الاريوسية و النسطورية .
و لكن الخلاف الأبرز الذي استمر حتى الآن قد بدأ بخلاف بين كنيستي روما و الكنيسة المصرية عام 451 بعد ارتقاء الإمبراطور مرقيانوس العرش حين رفض الأنبا ديسقورس بطريرك الإسكندرية الموافقة على بعض المسائل الإيمانية التي أوردها لاون أسقف روما عن طبيعة المسيح الذي استخدم نفوذه ليقنع الإمبراطور بعزل ديسقورس عن منصبه مما أشعل الخلاف لتبدأ حقبه من المذابح و الاضطهاد نتيجة هذا الاختلاف الفكري الديني بين الأرثوذكس أتباع كنيسة الإسكندرية من جهة و الكاثوليك أتباع كنيسة روما من جهة أخرى و هو ما تحول إلي قرارات سياسية ظالمة على الشعب المصري أدت إلى انهيار مصر اجتماعيا و تفككها بما ساعد على الفتح العربي للبلاد فيما بعد.
و نستطيع أن نعتبر الفترة الثانية من حكم الرومان هي مرحلة التطور التي تحولت بالصراع الفكرى العقائدي ليصبح صراعاً سياسياً خالصاً ، و إن كان لا يمكن هنا بمكان أن نعتبر أن هذا الصراع كان نتيجة لتسييس الدين ؛ بل أن الخلاف الديني هو الذي اثر على الساسة و الحكام و تحكم بقراراتهم وهو ما يجعلنا نجزم بأن هذه الفترة كانت هي المحك الرئيسي لفكرة تديين السياسة التي بدأت جلية منذ هذا العصر لتبقي فكرة غالبة لمعظم مدعي الإصلاح حتي وقتنا هذا، حيث عمد كل من أتي بعدهم إلي فرض معتقداته الدينية بقوة العقل والمنطق في البداية ثم بقوة الصراع والغلبة لاحقا وإنتهاء بقوة السلاح إذا ما أقتضي الأمر ذلك. لقد سار كل طالبي السلطة والراغبين في الوصول إلي الحكم علي درب رجال الدين الرومان الذين كانوا يقاتلون من أجل فرض الفكر المذهبي أولا بدعوي نشر الدين وتحكيمه ثم لتستقيم السياسة بعد ذلك عندما تدين لهم البلاد بالحكم.
 وعندما إتجه العرب لفتح مصر ، لم يكن هذا عن مقصد سياسي بقدر ما كان نتيجة للصراع الاسلامى الروماني عندما رفض الرومان السماح للمسلمين بتبليغ رسالتهم عندما تمادوا في إضطهاد هذا الفكر الجديد و محاربته مما دعي المسلمين إلى محاربة الروم والإجهاز علي إمبراطوريتهم حتي يستطيعوا إتمام دينهم وتبليغ رسالتهم الدينية حيث كانت الفتوحات في هذا العهد ذات نيات دينية خالصة و دفاعا عن الإسلام و المسلمين.
ونستطيع أن نرصد بداية فكرة تسييس الدين لدى المسلمين بعد عودة الصراع مرة أخرى إلي شكله العرقي الذي كان دائراً في الجاهلية بين بنى أمية و بنى هاشم و الذي إستفحل بعد إنشاء الدولة الأموية و توريث الحكم ليزيد بن معاوية بن أبى سفيان و من هنا سارع الخلفاء الأمويين في استخراج الفتاوى من العلماء المسلمين لتأييد حكمهم و صلاحيتهم للحكم. و من هنا بدأت فكرة تسييس الدين في الدولة الإسلامية لكسب القابلية الشعبية للحكم دون اعتراض و لتطبيق شكل من أشكال الثيوقراطية مستنكرين مبدأ الشورى في الإسلام بعد إقرار الحكم بالتوريث في بني أميه بما حدد فرص اى فصيل للوصول الحكم إلا عن طريق الطعن في دين أو نسب الفرقة الحاكمة وهو ما حدث مع المتشيعين لآل البيت بالحكم الذين كانوا يمثلون قوي المعارضة السياسية لنظام الحكم القائم من خلال دعواهم  بإستحقاق الخلافة لعلي فقط كرم الله وجهه وللحكم والولاية في ذريته من بعده.
ويمكن الجزم أن هذا الفكر قد تأثر كثيرا بفكرة تسييس الدين و تبعات الصراع العرقي الذي كان دائراً في ذلك الوقت حيث اعتبر الشيعة أن الخليفة يجب أن يكون من النسب العلوي و اعتبروا ذلك فرض كفاية و لهذا بدأ صراع الأنساب و اشتد من الجانب الأموي و العباسي من بعدهم حتى حدث أن إنقسم الشيعة علي أنفسهم بين الزيدية والإمامية. ولكن تبقي الحقيقة أن الإنقسام الذي حدث بين جماعة أهل السنة وجماعة المتشيعيين لآل البيت قد بدأ في الأساس كخلافاً سياسياً و فكرياً بين جماعتين يدين كلاهما بالأسلام وتضم كلا منهما فصيل من صحابة رسول الله صلي الله عليه وسلم يشهد لهم الجميع بالتقوي والورع والثقل الديني إلا أن هذا الصراع السياسي قد أخذ منحني الإنقسام الديني المذهبي فقط عندما بدأ الناس في الإنقسام والتشيع لطائفة ضد طائفة لتتحول الفكرة إلي عقيدة مذهبية تخرج بدائرة الصراع من حكم الدولة إلي حكم الجماعة أو الفرقة أو الطائفة وسنسرد فصلا كاملا لتوضيح هذا التحول الذي نشأ عنه فكر الجماعات الإسلاميه فيما بعد.
وقد كانت نتائج هذا الإنقسام وخيمة على الأمة الإسلامية بما أحدثه من تفرقة طائفية أدت إلى إنقسام المسلمين علي مذهبين سني وشيعي ومن ثم إنقسام كل مذهب بعد ذلك إلي العشرات من الطوائف بعضها أخذ الصبغة الدينية المسالمة والآخر أخذ الصبغة الجهادية الإستشهادية ولكن الأخطر كان في الطوائف أو الجماعات التي تسترت بالطابع الدعوي وجهزت داخلها فرق إستشهادية وهذه كانت هي الطامة الكبري حيث إنتشرت هذه الجماعات بين صفوف العامة بصفتها جماعات دينية دعوية ولكن أهدافها كانت سياسية خالصة بحيث أنها كانت تحث أتباعها علي الشهادة في سبيل إعلاء حكم الجماعة بعد أن كانت الشهادة في سبيل إعلاء الدين ونصرته لتبدأ حقبة من العنف والإرهاب الذي إصطبغ بشكل الدين بينما ظل جوهره سياسيا يهدف فقط إلي تمكين وتغليب حكم الجماعة علي من دونها من جماعات المسلمين.
ولكن أخطر ما نشأ عن هذا الإنقسام الطائفي بين جماعات المسلمين كان في إهتزاز  ثقة عامة المسلمين في علمائهم وإختلافهم حول فكرهم وصحة فتواهم وسلامة نواياهم ، حيث تجمع الناس حول العلماء الذين كان لهم الغلبة السلطوية ورفضوا كل من كان له أفكار تحررية تتماشي مع سماحة الإسلام وتسامحه لمجرد أن فكره كان مناهضا للحاكم أو مستهدفا لفكر علماء الجماعة بغض النظر عن صحة أو خطأ أيا منهم لإن التبعية أصبحت للجماعة ومن توليه من علمائها الذين يدينون بالولاء لأميرهم بغض النظر عن علمه وتفقهه في الدين.
و قد كان هذا الأمر مستغرباً جدا من جماعة تدعي علي نفسها أنها جماعة المسلمين أيا كانت عقيدتهم أو مذهبهم ، لإن هذا الفكر يتعارض شكلا ومضمونا مع أصل الشريعة ومنهج الدعوة الإسلاميه حيث أنه من المفترض أن عالم الدين هو شخصية مستقلة تخرج علي الناس فقط بما ينصه ويقره الشرع و لا يتأثر بعرف أو سياسة أو فكر جماعة حتي ولو كانت الجماعة هذه هي الجماعة الحاكمة ، ولكن هذا التسييس جعل الكثير من العلماء كالألعوبة في ايدى الخلفاء بما جعلهم تابعين لقراراتهم السياسية بحيث أصبح كل من يجاهر بمعارضته لهذا الفكر السقيم عرضه للكثير من المصاعب التي وصلت إلي حد السجن و الحبس و التعذيب .
هذا هو ما حدث مع الإمام الشافعي و الإمام بن حنبل و غيرهم ممن تمسكوا باستقلالية العلماء ، كما حدث أيضا  مع القاضي احمد بن رقابة و مثله كثيرين ممن تمسكوا بأراءهم و أفكارهم و عرضوها بحرية أمام الحكام دون اى حرج فكان مصيرهم السجن والتعذيب أو في أضعف الأيمان .... النفي.
و من اشهر القصص التي وردت في الصراع بين الحكام وعلماء الدين في مصر قصة احمد بن طولون أثناء صراعه مع الخليفة الموفق في سعيه للاستقلال بملك مصر، فإذا بإبن طولون يسعي لإستخراج الفتاوى من العلماء ببطلان دعوى الموفق في توليه الحكم ويعلن نفسه حاميا للخليفة المعتمد المغلوب على أمره . وعندما  رفض القاضي بكربن قتيبة - و كان من اكبر فقهاء العصر في ذلك الوقت - الإذعان لدعوي أحمد بن طولون كان مصيره مثل مصير كل من سبقوه أن ألقي به في السجن حتي أواخر أيام حكم بن طولون الذي شعر بالندم على ما إقترف في حق الشيخ الجليل الذي دعي بدعوة الحق فقام بالإفراج عنه و طلب منه السماح و لكن القاضي رد عليه و قال: ((شيخ فان عليل مدنف و الملتقى قريب و القاضي هو الله عز و جل )) و يقال أن أثر هذه العبارة كان شديدا على نفس بن طولون حتي انه أغشى عليه عند سماعها.
ويمكن الجزم بأن فكرة الخليفة المطاع بموجب الشرع الديني قد برزت علي وجه العموم أثناء الخلافات الإسلامية المتعاقبة والتي بدأت بعد إنتهاء عصر الخلفاء الراشدين وبداية من عصر الخلافة الأموية التي إستهلت وأقرت وعززت فكر توريث الحكم في جماعة بعينها وهو ما ولد فكرة أن الاعتراض علي الخليفة المؤيد من قبل الشرع والدين وشيوخ الأمه - الذين هم بطبيعة الحال شيوخ الجماعة التي تدين بالولاء للخليفة الحاكم - كان يعتبر خلاف مع الشرع و الدين وخروج علي الجماعة وهي الفكرة التي أستمرت في معظم البلدان العربية والإسلامية حتى وقتنا هذا لنجد أن الجماعات الشيعية قد تبنت نفس الفكرة عندما بدأت في إنتهاج فقه الولاية تماما كما فعلت أيضا الفرق السلفية التي خرجت من تحت عباءة المذهب السني حيث إنتهجت نفس الطريق بالدعوة إلي التسليم المطلق والولاء والسمع والطاعة لأمير الجماعة أو مرشدها أو حاكمها. ولكن الحقيقة أن كلاهما سواء جماعة الشيعة أو جماعة أهل السنة قد تشابها في التطبيق وإن إختلفا في الفكر والمذهب ومرجعية العقيدة . وصدق الله العظيم عندما قال : ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ .
وتعويلا علي ماسبق توضيحه ، فإن فكرة تديين السياسة التي بدأت منذ قدم التاريخ ورأيناها واضحة وضوح الشمس في فترات الحكم الفرعوني لمصر وحتي في عصور البطالمة من بعدهم لم تكن بدعة في الحكم حيث أن فكرة إستخدام الدين كمحرك للشعوب هي من فطرة الخلق التي جبل عليها الإنسان منذ الخليقه بعد أن أعطاه الله نعمة العقل ليتدبر في أمر الخلق من حوله ويحاول أن يجد مرجعية لكل أمور حياته ومعيشته والتي لم تكن أبدا إلا المرجعية العقائدية التي يجتمع عليها البشر سواء من كان منهم علي ديانات التوحيد أو من كانوا حتي علي الديانات الوثنية ، إلا أن البشر جميعا فطروا علي أن يقبلوا ما تحكم به كهنة عقيدتهم ضد ما تحكم به سياسات حكامهم .
لهذا عمد كل من رغب أو تولي الحكم  لأن يعطي سياساته المرجعية الدينية أو اللادينية حتي يصبح في مأمن من إنقلاب شعبه عليه. أما من لم يستطيع تديين السياسة لبعده عن سدة الحكم أو لعدم وجود الدعم البشري الكافي لسياساته فقد عمد إلي تسييس الدين حتي يعطي الأفضلية لمذهبه العقائدي فيتمكن من أن يحشد الأتباع بالقدر الذي يؤهله لدخول المعترك السياسي ولكن في النهاية يتساوي الأمران لإن كلا منهما لم ولن يهدف أبدا إلي إعلاء صوت الدين بقدر ما كان ولا يزال يهدف إلي تحقيق المكاسب السياسية التي تساعده علي فرض عقيدته ومذهبه وحشد الأتباع والأنصار حتي يتم لهم التمكين في الأرض ..... ألا لعنة الله علي مسيسين الدين ...... ألا لعنة الله علي مدينيين السياسة.