Tuesday, December 10, 2013

جمهورية الخرفان .الفصل الأول - النشأة والبداية

جمعني يوما لقاء مع أحد الأصدقاء المنتمين إلي واحدة من الجماعات الراديكالية التي تعمد إلي أن تعطي لنفسها سمة التدين في أسمها قبل فعلها مثلها مثل جميع الجماعات والحركات التي تعطي لنفسها الصبغة الدينية حتي تجعل من إسمها دليلا علي سلامة نيتها وصحيح أفعالها بدلا من أن تترك الأمر لمن يريد أن يتعرف عليهم ليري من فعلهم ما يدل علي سمتهم .
فعندما تري أي جماعة أو حزب أو كيان يتسمي بالكيان الإسلامي أو الكيان المسلم أو أيا كان من المسميات المنتشرة اليوم علي الساحة السياسية المغلفة بغطاء ديني فإنك ستشعر مباشرة أنهم ما وصفوا أنفسهم بكونهم المسلمين إلا لكي يصبح أي فعل يأتونه هو دليل أيمانهم ويصبح غيره هو النقيض وبالتالي يصبح من يخالفهم ليس من شيعتهم ...... و قد يتدرج به الرفض ليصبح ليس من المسلمين.
عموما ، دار الحوار بيننا علي نحو هادئ ونحن نتحدث عن أمور الحياة وعن الأسباب التي أوصلتنا إلي مانحن فيه من تردي في مستوي الأخلاقيات وتدني لغة الحوار وإنحدار أساليب التعامل بين البشر إلي أدني مستوياته الإنسانية حتي أصبحنا لا نصدق في إختلاف وجهات النظر وأصبح جميعنا يري جميعنا علي خطأ إن نحن إختلفنا.
أنا : الناس حتقطع بعض يا أبو حميد ..... ماحدش بقي مستحمل كلمة من حد
صديقي : هي دي الضريبة اللي لازم ندفعها بعد ما بعدنا عن الدين
أنا : يمكن ... !!
صديقي : لأ موش يمكن .... هوه ده اللي بيحصل لما نبعد عن طريق الدين وتتملي قلوبنا بأفكار العلمانيين اللي مايعرفوش ربنا.
أنا : بس أنا بأتكلم عن كل الناس ، المتدينيين واللي أقل منهم تدين واللي موش متدينين أساسا.
صديقي : اللي بيعرف ربنا بصحيح ، قلبه بيساع كل الناس وبيعرف إزاي ياخد ويدي لإنه بيكون علي يقين أنه علي الحق وده بيخليه يسمع كويس ويقدر يفهم ويعرف إزاي يرد علي ضعاف الإيمان لأنه يري بنور الله.
أنا : بالرغم من إني مختلف معاك جزئيا في موضوع يري بنور الله دي ، لكن حكاية إنك تدي الأفضلية في أي حوار للشخص اللي شايف نفسه بيعرف ربنا دي ....... أنا أسف يعني ...... ده قمة الإستبداد الفكري
صديقي : يعني أيه .... إنت عايز تسوي بين المؤمن والكافر ...... عايز تسوي بين من يعلم ومن لا يعلم
أنا : الموضوع مالهوش علاقة بالدين ولا بالتدين ...... الموضوع أكبر من كده
صديقي : الدين هو أساس العقيدة ...... الدين هو أساس الفكر ....... الدين هو أساس الحياة. إنت شكلك كده حتخليني أغير فكرتي عنك ، ده أنا كنت متوسم فيك وفي فكرك ودينك خير كتير
أنا : هوه أنا لما أقولك إني مختلف مع اللي بتقوله ولو جزئيا يبقي تغير فكرتك عن ديني ..... سبحان الله
صديقي : يا أخي الكريم لو حكمنا الدين في أفعالنا لما كان بيننا إختلاف
أنا : إيه الكلام الفارغ ده ، ياعم ده في إختلافنا رحمه
صديقي : إختلافنا في التطبيق جايز لكن إختلافنا في الفكر ده كده يبقي خروج عن الجماعة
أنا : بص ياعم ، اللي إنت بتقوله ده هو بالظبط اللي أنا عايز أقوله
صديقي : طب كويس ، كده يبقي متفقين
أنا : لأ ، كده إحنا مختلفين جمله وتفصيلا ، خليني أوضح لك قصدي من فضلك
صديقي : توضح أيه وأول القصيدة كفر
أنا : يا عم أصبر بس خليني أقولك قصدي أيه قبل ماتكفرني
صديقي : الأول لازم نتفق علي المبدأ ، وبعدين نتكلم في التفاصيل. إذا إتفقنا علي إن الدين هو أساس كل شئ وأنه بدون المرجعية الدينية يبقي علي الدنيا السلام ..... كده ممكن نكمل كلامنا ..... لكن حتقولي الإختلاف والديمقراطية والبطيخ ..... سامحني بقي
أنا : بوص بقي .... بلاش نزايد علي الدين لإن الموضوع ده مفروغ منه وماحدش يقدر يجادل فيه ولكن لازم تعرف إن المسلم السني له دينه والمسلم الشيعي له دينه والمسيحي له دينه واليهودي له دينه ..... ياأخي ده حتي اللي مابيصدقش في الدين بيبقي ده دينه
صديقي : أستغفر الله العظيم ....... أستغفر الله العظيم ...... ﴿أَفَمَن كَانَ مُؤْمِناً كَمَن كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ﴾.
 أنا : شوف يا شيخنا ، لما نتكلم عن مجتمع وعادات وتقاليد وثقافة وما إلي ذلك ، بلاش تدخل الدين كمرجعية لإن المجتمع بيضم كل الأديان واللا أديان وكل الثقافات واللا ثقافات ....... المجتمع ده الصينية اللي فيها حتتتين لحمة وخمسين شريحة بطاطس وكام شريحة طماطم علي شوية حلقات بصل علي رشة ملح علي فلفل إسود علي بهارات ....... كله علي بعضه كده يعمل لك ورقة لحمة تستاهل بقك ....... تخيل لو شيلت رشة الملح علشان دول موش زي اللحمة ...... تبقي الطبخه كلها باظت يا معلم
صديقي : إيه ياعم حلقة أبلة نظيرة اللي إنت فتحتها دي ..... بطاطس إيه ولحمة إيه ...... للدرجة دي بتستهين بدينك وخليته زي صينية البطاطس ...... الدين ده أعم وأشمل ..... الدين ده منهج حياة ولو كره الكارهون.
أنا : بس أنا للمرة المليون باقولك إن أنا موش باكلمك في الدين ، أنا بأكلمك علي فساد أحوال المجتمع بكل طوائفه بمثقفينه بعماله بفلاحينه بشبابه بعواجيزه ...... حتي بأطفاله ...... أنا بأكلمك علي إنعدام لغة الحوار والتفاهم بين أطياف المجتمع كله علي بعضه ، المسلم علي المسيحي علي الليبرالي زي ما أنتوا بتسموهم دلوقتي.
صديقي : عندك حق ، الناس ماعدتش بتعرف تتكلم مع بعض خلاص ..... الناس ما عدتش بتسمع بعض في الحقيقة زي مايكونوا لغوا الودان خلاص وبقت موجوده بس علشان يعلقوا عليها النظارات.
أنا : الله ... الله .... ده إحنا بنهزر أهوه ..... ماشي يا عم الفكيك
إلي هنا وكان الحوار هادئا وإن لم يكن حميميا ولكن علي الأقل إستطعنا أن نصل إلي أرضية واحدة يمكن أن نقف عليها لنبدأ حوارا أعتقد أنه غير من منظوري وطريقة تفكيري عن التدين ومعناه وحقيقته وتطبيقاته.
لقد جعلني صديقي الذي يدعي لنفسه التدين بل ويجعل من الدين مرجعيته الأساسية في كل شئ إلا أنه قد إستطاع أن يجعلني أفكر ألف مره قبل أن أضع نفسي في مثل هذا الموضع ..... جعلني أفكر جديا في مفهوم التدين بل جعلني أري أن وصف المتدين الذي يعنيه صديقي هذا لا يمكن أن أقبله إن هو حرمني نعمة التفكير ومنعني من العطية الألهية التي منحنا أياها القادر العزيز ألا وهي نعمة التدبر وإعمال العقل والتبصر وهذه كلها نعم لايمكن إستخدامها أو تفعيلها إذا لم نقبل بوجود مبدأ الإختلاف بين البشر.
والحق يقال ، أن صديقي هذا قد نبهني إلي جوهر المشكلة بين من جعلوا الدين علامة لأفعالهم من جهه ومن جعلوا أفعالهم علامة لدينهم من جهه أخري..... إن المشكلة هي كما أخبرني صديقي في أن الإختلاف مقبول في التطبيق ولكنه لا يمكن أن يكون مقبولا في الفكر ...... هذا هو لب الموضوع ...... هذا هو لب الإختلاف.
إن فكر الجماعات التي أصبغت نفسها بطابع ديني أيا كان ديانتها ، إسلام ، يهودية ، مسيحية ، بوذية ، هندوسية أو حتي الجماعات اللا دينية ..... كل هؤلاء الجماعات مع إختلاف أفكارها ومعتقداتها ومرجعياتها إلا أنها جميعا علي قناعه أن ما تعتنقه فقط هو صحيح الفكر وأن مادونها باطل وهذا في حد ذاته هو الخطأ بعينه لإن الفكر لايمكن أن يكون حكرا علي أحد لأن حرية الفكر هي مكرمة إلهية منحنا أياها الله العزيز الحكيم ولم يعطها لأي من خلقه سوي أدم وبنيه عندما أعطانا نعمة العقل ...... نعمة العلم ....... بل أن العزيز الحكيم قد أعطانا نعمة التفكير والإختيار والقرار ومن ثم تحمل تبعة قراراتنا.
فإذا ما صدقنا في نعمة العقل التي منحنا أياها العزيز الحكيم ، فإننا لا يمكن أن نتجاهل الحكمة من هذه النعمة ألا وهي التفكير والتدبر وإعمال العقل ، وهو ما لا يكون إلا عندما نوقن أن الإختلاف الفكري واجب وأنه حق إنساني لا يمكن حجبه. لهذا كان الإختلاف من وجهة نظري هو في الفكر في الأساس أما التطبيق فهو نتيجة .... محصلة لما يهدينا إليه فكرنا. فمن كان علي قناعة بأن الإختلاف يكون فقط في التطبيق وليس في الفكر فهو كمن يصدق في إمكانية الإنجاب بدون حمل ..... كمن يصدق أن إستنساخ النعجة يغني عن سنة الله في خلقه ...... كمن يصدق أن الخرفان تستنسخ ولا تولد ....... وقد يكون هذا هو مذهبهم في تكوين جمهوريتهم من الخرفان.
والغريبة في الحوار الذي دار بيني وبين صديقي أن الحوار بدأ وإنتهي ولم أستطيع خلاله أن أوضح له مقصدي عندما كنت أخبره عن تدني مستوي الحوار أو لنقولها بمنتهي الصراحة إنعدام الحوار بين طوائف المجتمع المختلفة وهذا هو الموضوع الذي كنت أنتوي مناقشته فيه ولكنه كالمعتاد قد ذهب بنا إلي حيث يستطيع هو أن يجادل ويفرض رأيه عن طريق وضع الدين كمرجعية أساسية لأي نقاش وبطبيعة الحال فإن الغلبة ستكون لمن يسمي نفسه إسلاميا لإن الآخر لن يكون له نفس المرجعية التي لن تظهر في مسماه أو سمته.
ولهذا وجدتني أعيد الكرة مرة أخري مع صديقي في محاولة لأن أضعه علي أول طريق التحاور وقبول الآخر وهو الأمر الذي يدعيه قولا ولكن يفتقده فعلا.
أنا : يا صديقي العزيز ، إنت فاكر صلح الحديبية اللي تم بين الرسول صلي الله عليه وسلم وبين كفار مكة
صديقي : طبعا ، وده يوريك قد أيه سماحة الإسلام وميله للسلم
أنا : تمام ، أتفق معاك ولكن ...
صديقي : لكن أيه بقي ..... إعترض بقي علي دي كمان
أنا : يا أخي إسمع .... إفهم الأول اللي أنا عايز أقوله وبعدين إعترض ..... هوه الإعتراض عندكم فريضه
صديقي : عندكم ..... مين عندكم دول ..... هوه إنت لازم تشخصن أي نقاش
أنا : لا حول ولا قوة إلا بالله ..... طب خليني أقولك بس أنا عايز أقول أيه وبعدين إعترض بكيفك ... ممكن؟
صديقي : إتفضل .... سمعنا
أنا : صلح الحديبية بدأ لما أرسلت قريش سهيل بن عمرو لعقد الصلح مع المسلمين وهو واحد من ألد أعداء المسلمين وأكثرهم تطرفا في حينه طبعا
صديقي : طبعا ، ده حتي كان حابس ولاده الإتنين علشان ما يهاجروش مع الرسول صلي الله عليه وسلم
أنا : تمام ، الله ينور عليك ولاده عبدالله بن سهيل بن عمرو وأبو جندل
صديقي : طب ده إنت مذاكر تاريخ الصحابه كويس أهوه ...... ربنا يهديك
أنا : يا عم وهو حد قالك أن إسمي كوهين ولا إليشع ..... يا عم أنا محمد وأبو والدي أسمه علي كمان.
صديقي : طب يا عم الشيخ ..... إتفضل إشجينا فتح الله عليك.
بالطبع فإنه عندما أخذ الحديث هذا المنحني الديني فقد فتح هذا شهية صديقي الذي تصور أنني أنازله في ساحته التي لن أستطيع أن أنال منه لإنه هو المتمكن من أدواته في هذه الساحة والدليل أنه إسلامي.
أنا : لما بدأ الطرفين في كتابة صحيفة الصلح قال علي بن أبي طالب أكتب بسم الله الرحمن الرحيم ، ولكن سهيل بن عمرو رفض وقال (( أما الرحمن، فما أدري ما هو؟ ولكن اكتب: باسمك اللهم كما كنت تكتب)) فرفض المسلمون إلا أن تكتب بسم الله الرحمن الرحيم حتي تدخل رسول الله صلي الله عليه وسلم وقال بل أكتبوها بأسمك اللهم  ...... فكتبها علي.
صديقي : ماشي .... كل ده معروف وكمان رفض سهيل بن عمرو أنه يكتب هذا ما قاضي عليه محمد رسول الله وقال لو علمنا أنك رسول الله ما صددناك عن البيت ولكن أكتب محمد بن عبد الله
أنا : الله ينور عليك ..... أيوه كده ..... إبتدينا ناخد وندي أهوه ...... وطبعا إنت عارف إن الرسول صلي الله عليه وسلم قال (إني رسول الله، وإن كذبتموني .... اكتب محمد بن عبد الله )
صديقي : طبعا لإنه لن ينال منه تكذيبهم .... فهو رسول الله ولو كره الكافرون.
أنا : تمام ..... تمام .... ولكن ليه بأقولك القصة دي ؟
صديقي : قول لي ..... كلي أذان صاغيه
أنا : مغزي القصة دي يا صديقي العزيز إن الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم لم يرفض رأي الآخر ولم يحقره بل بالعكس سمع وتحاور ..... وأكثر من كده كمان .... أقره بالرغم من إختلافه كليا وجزئيا مع فكر المسلمين وجماعتهم ..... موش بس إختلف مع فكرهم ..... ده إختلف مع عقيدتهم ...... مع مدلول العقيدة لما وافق الرسول صلي الله عليه وسلم إن يكتب الصلح بدون ما يكتب محمد رسول الله اللي هي نصف الشهادة.
صديقي : ده كان فتح من ربنا سبحانه علي نبيه الكريم علشان يمكن للمسلمين بعد كده من فتح الجزيرة كلها وإيصال الإسلام لكل قبائل العرب بعد ما يأمن شر قريش ...... ده حتي بعتوا رسائل للفرس والروم والحبشة ومصر علشان يهدوهم للإسلام.
أنا : تمام .... كلامك كله مظبوط ..... لكن إنت عرفت الكلام ده بعد كده لكن وقت الصلح ماحدش من المسلمين كان عارف كل الكلام ده ..... حتي إن عمر ثار وهاج لو تفتكر
صديقي : أيوه .... إيوه ..... تقصد لما قال (( لما نرضي الدنية في ديننا ))
أنا : بالظبط كده .... لكن أنا عايزك تبص للموضوع بنظرة تانيه خالص .... عايزك تبص لآليات الحوار والنقاش والمصالحة والمهادنة ........ عايزك تلاحظ جمال ديننا ..... رقته ..... سماحته ..... رفقه بالآخر حتي وإحنا متأكدين أنه علي باطل ....... عايزك تبص لحكمة الرسول عليه الصلاة والسلام لما قبل من الكافر اللي هوه متأكد من كفره زي ما هوه متأكد إنه رسول الله.
صديقي : عايز تقول إيه ، أنا موش فاهمك بصراحه
أنا : الحوار يا صديقي مالهوش دعوة في الأساس بموضوع مؤمن وكافر ، الحوار له علاقة بآليات ، بأبجديات ، ببديهيات ..... الحوار لازم يكون في إتجاهين .... مافيش حوار في إتجاه واحد أبدا
صديقي : بديهي
أنا : يبقي لما تتحاور مع حد في أي موضوع ، لايمكن تفرض عليه أنه يتفق معاك الأول علي المرجعية لإنه لو إتفق معاك أصبح الحوار في إتجاه واحد ..... يعني بقي مافيش حوار في الأساس
صديقي : ياعم ماتزعلش ، بلاش موضوع المرجعية دي خليني أنا في مرجعيتي الدينية وخليك إنت في مرجعيتك العلمانية الليبرالية
أنا : لا حول ولاقوة إلا بالله ..... منين بس جبت التخاريف دي ...... ياعم إسمعني الأول وبعدين أحكم علي مرجعيتي إنها دينية ولا علمانية ولا بطيخ
صديقي : ماشي .... ماشي ..... سيبنا من المرجعية وقولي بقي مغزي كلامك ده كله أيه
أنا : هوه إنت لسه مافهمتش ...... هوبا ..... كده تبقي الحالة مستعصية
إن المشكلة تكمن في الأساس في التكوين النفسي والذهني والعقلي لهؤلاء المنتمين إلي الجماعات التي تصبغت بالطابع الديني لإنهم قد تربوا علي فكر السمع والطاعة ، لقد تم تدريبهم علي إيقاف خلايا التفكير في المخ بعد أن تم تفريغ خلايا الذاكرة من محتوياتها ومن مرجعيتها الدينية أو السياسية وإعادة حشوها بالفكر الأوحد لمؤسس هذه الجماعة حتي يصبح كل من ينتمي لهذه الجماعة فردا في قطيع يأتمر بأمر قائده ويفعل ما يطلب منه دون نقاش أو جدال لإن الجدال دليل الخروج علي الجماعة والخروج علي الجماعة دليل بطلان العقيدة وبطلان العقيدة دليل الكفر ، فيصبح الجدال في مضمونه هو دليل الكفر.
وأعتقد أن مشهد أحمد راتب وهو يقول لعادل إمام في فيلم الإرهابي ((لا تجادل ولا تناقش يا أخ علي)) هو المشهد الذي يصور طبيعة النقاش بين المنتمين إلي هذه الجماعات فيما يسمي بماستر سين فكر الجماعات.
إن الباحث في أمر بداية أي دعوة دينية أو سياسية أو فلسفية سيجد أن هذه الدعوة تبدأ في الأساس من قناعة شخصية جدا لصاحب هذه الدعوة والتي تأخذ في التعاظم رويدا رويدا من كونها فكرة فلسفية تصبح بعدها رؤية تتملك منه لتصبح له منهجاً إلي أن تتحول إلي عقيدة مستبدة تتملك عليه عقله وحياته فلايري إلا من خلالها ولا يعقل إلا بها ولا يقبل أي رأي معارض لها فيبدأ بعدها في الدعوة إليها بعد أن تتملكه ويقتنع أن دعوته هي لخير البشرية وإن هو منعها فكأنما قد منع عطية إلهيه أرسله بها الله ليهدي بها الناس ويبصرهم طريق الحق. إن أصحاب هذه الدعوات يتصورون أنهم خلفاء الرسل علي الأرض .... إن لم يقتنع بعضهم أنهم رسلا من الله ...... وكلاهما في الغي سواء.
والغريب في أمر كل الدعوات الإنسانية ، أنها جميعا تتشابه في آليات النشأة والبداية. كل النظريات الفلسفية  أو الدعوات المجتمعية أو الحركات التبشيرية أو الدعوية التي تنتهج نهجا دينيا سواء كانت إسلامية أو مسيحية أو يهودية أو بوذية أو حتي طبيعية ....... كلها تبدأ من نقطة الإستبصار حيث يقتنع صاحب الدعوة أنه قد بصر بما لم يبصر به أحد من القوم وأنه قد أعطي هذه المنحة الآلهية علي علم عنده حتي يستطيع أن يقوم بدوره في هداية البشرية.
كل الدعوات الإنسانية بدأت جميعها بفكر الدعوة إلي المذهب الذي إعتنقه مؤسس هذه الجماعة ، كلها بدأت حركات دعوية إجتماعية تهدف إلي خلق فكر عقائدي جديد يدعو إلي المجتمع الفاضل كلا حسب رؤية صاحبه و اللافت للنظر أن كلهم بدأوا من نفس النقطة .... النهضة بالإنسان ... النهضة بالمجتمع ... النهضة بالأخلاقيات وجميعهم إتفقوا علي عدم التطرق في بداية الدعوة إلي السياسة أو إلي الإنخراط السياسي.
فبداية أي دعوة تكون عادة بمخاطبة الفرد ومداعبة أحلامه في واقع مشرق و غد أفضل ، وبطبيعة الحال فأنه لا يمكن أن ننهض بالتطبيق إلا إن صلح الفكر . ولأن الفكر هو نتاج العقيدة ، فإن جميع هذه الدعوات قد عمدت  إلي التركيز علي مفهوم ومضمون العقيدة الإنسانية في المقام الأول ، فإن إستطاع صاحب الدعوة أن يسيطر علي فكر متبعيه ، فإنه بهذا يكون قد إستطاع خلق نقطة الإنطلاق التي يستطيع منها أن ينشر منهجه ويجعل منها مذهبا يتبعه من يتبعه في زمنه و يسير علي خطاه من يعتنقون فكره في الأزمنه اللاحقه.
ولكن مكمن الخطورة في كل الدعوات الإنسانية علي مختلف مرجعيتها يأتي في مرحلة ما بعد النشأة ، في مرحلة تطور الدعوة بما تحويه من أفكار صائبة كانت أو غير ذلك إلي تحول المنهج والإنحراف الذي قد يحدث للفكرة الفلسفية الأساسية التي نشأت عليها الدعوة في الأساس. تكمن الخطورة في المحاولات التي يقوم بها منظري الدعوة لتطوير مفردات الفكرة وإعتناق أجزاء معينه تعنيهم من عموم فكر هذه الدعوة وتعظيمه وتغليبه علي أصل الدعوة التي أصبح لها تابعين ومريدين يعتنقون المذهب ككل و قد بدأوا في جني ثمار عقيدتهم التي يصدقون أنها هي الصحيحة ودونها الباطل. تكمن الخطورة عندما تتحول الفكرة من رؤية شخصية لصاحبها إلي عقيدة يتبعها مجموعة ومستعدين لأن يضحوا من أجل إثبات صحة عقيدتهم بكل نفيس وغالي.
إن أي فكرة بشرية لا تمثل خطورة بذاتها طالما ظلت في إطار الأفكار أو المذاهب الفلسفية أو الرؤي الإصلاحية التي تهدف إلي تفسير الواقع الذي نحياه للوصول إلي غد أفضل. يتماثل في ذلك فكر الفلاسفة منذ أيام أرسطو أحد أعظم المفكريين في العالم والذي ساهم بمفرده في تنوير العالم منذ بداية دعوته في العام 360 قبل الميلاد وحتي يومنا هذا. أرسطو الذي أسس واحدا من اهم مراكز الابحاث العلمية والبيولوجية والتاريخية والشؤون الحكومية والادارية، والتي كانت تناقش كل المواضيع التي يتطرق اليها العلم في ذاك العصر وقد دونها في كتبه ومؤلفاته بعد ان قام بتحليلها ووضع النظريات الفلسفية والعلمية والمنطقية التي توضح فكره وتثبت أراءه ، ولهذا سمي بالمعلم الأول حيث يعتبر واحدا من اشهر الذين كتبوا الأبحاث في السياسة والمنطق والعلم والفلسفة .
وأفلاطون الذي تحدي طبقة الأرستقراطيين التي ينحدر منها وجعل من مكانته وإمكاناته سبيلا لكي يبحث عن سبل إيجاد المدينة الفاضلة بما تحويها من مذاهب سياسية ومذاهب مجتمعية وشرائع حاكمة وعقائد إنسانية حيث حكي لنا في كتابه الجمهورية عن الدولة المثالية والمدينة الفاضلة حتي أنه تكلم عن الجمهورية والإشتراكية والشيوعية وشيوعية النساء إلا أنه قد ربط جمهوريته بالآلهه التي كانت في ذلك الوقت هي رمز الكمال كما وأنه قد أغفل ربط السياسة بالإقتصاد مثلما فعل بعد ذلك إبن خلدون في مقدمته الشهيرة والتي لو كان فعلها أفلاطون لكان أحدث طفرة في علم السياسة في وقته.
وسقراط الذي يعتبر من أهم مفكري العالم حتي وقتنا هذا ، والذي كان يعتقد بوجود مدبر واحد للكون وإن كان مرغما علي الإعتراف بألهة الأغريق في وقتها حتي لا يعادي فكر الدولة التي كان يحيا وسطها. ولكنه كان يغذي فكره بما يراه من حقائق المعيشة التي إعتاد أن يكتشفها في جولاته بين العامة وهو ما جعل فكره محببا للناس حتي إنقلب عليه النظام الحاكم لإنه كره النظام الديمقراطي الذي رأه ناقصا ولا يخدم كل شرائح المجتمع فما كان منهم إلا أن حكموا عليه بشرب السم لإتهامه بثلاث تهم، انكاره للآلهة، ودعوته الى اله جديد، وافساده للشباب الذي فـتن به والـتف حوله مأخوذا بسحر افكاره وحواره. ويكفي أن نعرف أن سقراط كان يهتف وهو يحتسي السم قبل موته ...... المجد لمهندس الكون الأعظم.
و لم يخل تاريخ العرب أيضا من منظري الفلسفة الأغريقية الذين إجتهدوا لأن يكون لهم مكانتهم في تاريخ الفلسفة والرؤي الإنسانية التي شكلت وجدان الحضارة الإنسانية فنجد الفارابي الذي لقب بالمعلم الثاني بعد أرسطو لما أشتهر به من إستيعابه للمذاهب الفلسفية وقدرته علي إعادة صياغتها بما يتماشي مع العقائد المتبعة في زمنه حيث كان يعتبر كتابه أراء أهل المدينة الفاضلة إمتداد لفكر أفلاطون وإعادة إحياء له بنظرة عربية تؤكد أن الفكر لا وطن له وأن الدين لا يتعارض مع الفكر الفلسفي.
وإبن رشد الفيلسوف الإسلامي الأندلسي الذي يعتبر واحدا من أهم فلاسفة المسلمين الذي إختلف عليه الناس وإن كان فكره لايزال باقيا لإنه كان فكرا متحررا من قيود التبعية الفكرية عندما صحح فكر الفارابي وإبن سينا في نظرتهم لأفكار أفلاطون وأرسطو وذلك حينما أقدم علي تفسير أثار أرسطو حتي أتهمه علماء الأندلس في وقتها بالكفر والإلحاد عندما أدعي أن هناك نوعين من معرفة الحقيقة، الأولي هي معرفة الحقيقة استناداً على الدين المعتمد على العقيدة وهو ما لا يمكن إخضاعه للتمحيص والتدقيق والفهم الشامل. أما المعرفة الثانية للحقيقة هي الفلسفة، والتي يملكها عدد من النخبويين الذين يحظون بملكات فكرية عالية تمكنهم من حفظها من خلال نظراتهم الفلسفية المتجردة . فما كان جزاؤه إلا أن تحرق كتبه ويشرد من الأرض ولكن سنة الكون دوما كانت ولاتزال في أن الفكر أبدا لا يموت فكان أن أحرقت كتبه ولكن ظل فكره موجودا حتي يومنا هذا.
ولم تقف الحركة الفلسفية فقط علي العلماء والمفكريين العرب المسلمين ، بل كان هناك أيضا منصور بن سرجيوس الذي عرف فيما بعد بيوحنا الدمشقي والذي كان من أعظم فلاسفة العرب اللاهوتيين وهو أول من جمع خلاصة الفكر اللاهوتي للكنيسة اليونانية القديمة حتي إعتبرته الكنيسة اليونانية واللاتينينة واحدا من قديسيها.
وفيلسوف العرب أبو يوسف يعقوب الكندي إبن إسحق أمير الكوفة في زمن الخلافة العباسية والذي إعترف به فرانسيس بايكون وبأرائه وجعله في الصف الأول من الفلاسفة مع بطليموس وأرسطو وسقراط حيث كانت له العديد من الرسائل في إلهيات أرسطو التي قام بتنظيرها وإْعادة إحيائها من منظور العرب المسلمين في وقته حتي أطلق عليه فيلسوف الإسلام في الغرب.
أما أول من فصل بين الدين والفلسفة في البحث وفي مناهج التحليل فكان العظيم إبن باجة الذي وضع العديد من المؤلفات في شروح نظريات أرسطو الفلسفية حيث عمد إلي وضع رؤيته الدينية لهذه النظريات والتي فصلها عن رؤيته الفلسفية وهو ما مثل سبق يحسب لإبن باجة في عدم التعارض بين التحليل الفلسفي للمعتقدات الإنسانية وبين اليقين الديني لهذه المعتقدات وإن كان هذا المدخل قد تم إستغلاله فيما بعد من قبل بعض المجتهدين ليجعلوا من فلسفتهم عقيدة بحد ذاتها وهو ما مثل خطرا فكريا تعاني منه البشرية حتي يومنا هذا.
أما حجة الأسلام وعبقري الفلسفة الدينية زين الدين الغزالي فقد أنشأ مذهبا فريدا في تبسيط علوم الدين حتي جعل من الدين مادة سلسة يفهمها العامة من خلال كتاباته التي إمتازت بسلاسة الأسلوب وسهولة المعني وهو ما جعل من الدين وتفسيراته أمرا محببا لعامة الناس بما يتعارض مع المعمول به في وقته حيث كان معظم إن لم يكن كل المفسرين يعمدون إلي تغليف تفسيراتهم بشئ من الغموض حتي يكون لهم الصبغة الكهنوتية التي تحافظ لهم علي المكانة في نفوس الناس.
وفي تاريخنا الحديث يوجد العشرات بل المئات من الفلاسفة الذين أثروا فكر الإنسانية وشكلوا حضارتها وغذوا ثقافتها بأفكارهم التي إعترض عليها الكثير وينكرها أيضا الكثير ولكنها لازالت باقية لإن الإنسانية لا تعيش أبدا علي الفكر الأوحد ولإن الثابت الوحيد في الحياة هو التغيير ...... لايوجد شئ يمكن أن يبقي علي حاله أبدا وكل يوم جديد يأتي لنا بفكر جديد يجعلنا نفكر فيما لدينا من معتقدات وثوابت تربينا عليها فإذا بالفكر الإنساني الخالص يأخذنا من منظقة ثبات الفكرة إلي منطقة ثبات الفكر لإن التغيير في الفكر هو الثابت الوحيد إذا ما كنا نصدق فعلا أن لدينا عقلا يفكر ويتدبر ويأتي بالجديد كل يوم.
و يعتبر ديكارت هو أبو الفلسفة الحديثة حيث شكل فكره المتناقض بين الفكر اللاهوتي ذو النظرة الدينية الآحادية لكل مايتعلق بنظريات النشأة والوجود وبين فكر الإستنتاج المنطقي الذي برع فيه للدرجة التي جعلته يناقض أفكاره وعقيدته عندما أطلق نظريته في التفكير العكسي حيث قسم العالم إلي وحدتين متكاملتين ومتناقضتين في نفس الوقت وهما الجسد والروح فكان أن وضع أساس للنظرية المادية التي ترجع الأمور إلي التفاعل الجسدي بناء علي التحليل المنطقي للأشياء ثم وضع مقابلا لها متمثلا في النظرية المثالية التي تنظر للأمور بنظرة روحانية بناء علي التحليل العقائدي لأصل هذه الأشياء.
أما السير فرانسيس بايكون فهو الفيلسوف العالم الباحث الذي أمتلأت شخصيته بالتناقضات التي لم يعثر لها علي تفسير حتي حينه. وهو من وضع في كتابه الأطليند وصف للدولة المثالية الحديثة التي ثار بسببها جدل كثير خاصة أنه كان يرجع أصل العلوم في وقته إلي علماء وفلاسفة العرب.
ومانويل كانت الذي تحدي الكنيسة في زمنه بكتابه نقد العقل الخالص الذي لاقي بسببه الكثير من الهجوم من رجال الدين والكنيسة عندما نشر أراءه الفلسفية التي كانت مناهضة لسيطرة الكنيسة علي الحكم وذلك عندما طرح فكرته التحررية التي تقضي بأن حرية الإنسان إنما تنبع من طاعته لقانونه الأخلاقي الذي ينبع من نشأته وثقافته وما نشأ عليه من أصول تربية وعقائد إنسانية وأن من يبحث عن حريته وجب عليه أن يطهر قانونه الأخلاقي من سيطرة الغير عليه حتي ولو كانوا من الكهنه والقساوسة ورجال الدين ....... !!!!
وقد إستمد هتلر سياساته وأفكاره الشديدة التطرف من فكر الفيلسوف هيجل الذي نادي بفكر عبادة الدولة. لقد إقتنع هيجل بأن الدولة هي الفكرة المقدسة علي الأرض وأنها لم تقم من أجل الأفراد بل أن الأفراد قد وجدوا من أجل الدولة. لقد ذهب هيجل بفكره إلي مداه عندما رأي أن الدولة لايجب أن تربطها صلة الواجب بمن حولها من الدول وأن الحرب بذاتها ليست شرا من الشرور إن كانت تدافع عن فكرة وكيان الدولة لأنه لايوجد دولة شريرة أو رديئة ولكن هناك نظرة خاطئة لفكر كل دولة تدافع عن كيانها لأن مصلحة كل دولة كامنة في قانونها الأعلي الخاص بها بغض النظر عن النزعات السياسية المختلفة التي قد تعترض طريق الدولة في الحفاظ علي مصلحتها العليا وهو ما يعتبر تبرير لأي عدوان تقوم به أي دولة سواء في الداخل أو الخارج من أجل مصلحتها. وقد يجد الكثير منا أن هذا الفكر متطرف وعدواني ولكن هتلر كان له رأيا مغايرا جعله يعتنق هذا الفكر بل ويواجهه العالم كله من حوله بسبب فكره أطلقها هيجل.
 وفي بدايات القرن الماضي أطل علينا الفيلسوف الأمريكي جون ديوي بفكره التحرري الذي يعتبر حجر الأساس لمعظم الحضارات الإنسانية المعاصرة لما تضمنه من إعلاء لقيمة الفرد في المجتمع ونداؤه الشهير بأن الفكرة لايكون لها قيمة إلا إذا أعطت للإنسان قيمتة كفرد في المجتمع. لقد وضع ديوي اللبنة الأساسية للفكر الرأسمالي الذي قامت عليه أمريكا عندما نادي بتهيئة الفرصة أمام الفرد ليجعل من نفسه عضوا عاملا في المجتمع لإن المجتمع لن يقوي إلا إذا قوي أفراده وأعطي الفرصه لكل فرد به لإثبات نفسه.
أفكار ونظريات فلسفية ودعوات عقائدية وحركات تحررية قامت منذ بدء الخليقة وحتي يومنا هذا وستستمر حتي قيام الساعة لإن هذه هي طبيعة الخلق ، البحث عن أصل الأشياء وإعمال العقل والتدبر في كل شئون الدين والدنيا لكي يصبح ماننكره اليوم ثابتا غدا في حين يصبح ثوابت اليوم هي ما سننكره غدا بعد أن يخرج علينا فلاسفة الغد برؤيتهم التي عميت علينا اليوم.
ولكن هل قبولنا بأفكار اليوم وإعتناقها يجعلنا عبيدا لهذه الأفكار؟
هل إتباعنا لهذه الأفكار يلغي قدرتنا علي مراجعتها والتدبر في مدي صلاحها لأمور ديننا ودنيانا اليوم؟
هل إقتناعنا بأفكار ونظريات خرج بها علينا منظرين أو فلاسفة أو شيوخ أو رهبان تفقدنا الحق في مناظرة هذه الأفكار وإنكارها إن وجدنا أنها قد حرفت ولم تعد صالحة لزماننا أو أنه قد تولد عنها دعوات تكفيرية تقسم المجتمع وتعادي أمنه وسلامة أفراده؟
كل هذه الأفكار الفلسفية ومثلها الكثير أطلت علي الإنسانية خلال الآلاف من السنين بواسطة بعض المجتهدين الذين تمردوا علي الثوابت التي كان يفرضها علي المجتمع أصحاب الحظوة والقوة والسيطرة سواء من رجال الدين أو البلاط الحاكم أو المنتفعين سواء بالإقتصاد أو المكانة أو الجاه أو السلطان. ولكنها جميعا لم تتعدي كونها أفكارا فلسفية أو رؤي إصلاحية أطلقها أصحابها في محاولة منهم لتحريك ثوابت المجتمع الراكدة لكي يدفعون الناس إلي التفكير في يومهم وإلي الحلم بغد أفضل وهو ما لم يمثل يوما خطرا علي المجتمع وإن كان يمثل في وقتها خطرا علي الفئة الحاكمة التي كانت تناهض الفكر والتفكير والأفكار بشكل عام.
أما ما شكل خطورة علي المجتمع فكان هو الحركات الإصلاحية (كما يدعي أصحابها) ، والتي قامت علي الإستثمار في الأفكار والرؤي الفلسفية أو العقائدية، ومن ثم إستهدفت جمع الأتباع حول الداعية بعد إعتناقهم لفكره وتجييشهم بعد مبايعته علي الولاء و السمع الطاعة لهذا الفكر بالرغم من أن كل فصول التاريخ تخبرنا بل وتثبت أنه لم ولا ولن يوجد فكر إنساني صحيح علي المطلق لسبب بسيط جدا ...... أنه فكر بشر وأنه مهما علا في فكره فإنه يحتمل الصواب والخطأ وهو إلي الخطأ أقرب لإننا جميعا نعلم تمام العلم أن الكمال لله وحده وأن الإنسان مهما وصله من العلم فهو كان ولايزال كفورا جهولا.
لذا وجدنا كل الدعوات التبشيرية والكيانات الأصولية وفكر التكتلات المذهبية وقد إختلطت أفكارها التي كانت تبدي في ظاهرها السلام الإجتماعي والنهضة بالبشرية إلا أنها جميعا إنطوت في باطنها علي فكر السيطرة علي مقدرات المجتمع وتوجيه أفراده إلي إعتناق مذهب بعينه ألا وهو المذهب الذي يدينون له ولا يقتنعون إلا بصحته وإلا كان كل من يخالفهم في الفكر علي باطل ويصبح للكفر أقرب منه للإيمان ويصبح المجتمع في مجموعه هو العدو الأول لمذهبهم وصاحبه وأتباعه لتصدق وقتها مقولة شمشون الجبار .... عليّ ... وعلي أعدائي.
لقد إجتمعت كل هذه الدعوات المبطنة علي سياسة واحدة في نشر مبادئها مهما إختلفت في مرجعيتها الدينية أو المجتمعية إلا أنها جميعا قد بدأت من نقطة التغيير والإصلاح والتحريك المجتمعي وعدم قبول ثوابت المجتمع القائمة البالية ورفض العبودية الفكرية لما ألفوا عليه أبائهم الأولين ....... كلهم بدأوا من تقديس التفكير والتدبر والتغيير ..... حتي نشأت الجماعة وقوت وأصبح لها مريدين وتابعين ومنتمين مستعدون لتقديم أرواحهم فداء فكر هذه الجماعة ، فتحولوا من تقديس الفكر إلي تقديس صاحب الفكره وشتان بين هذا وذاك. عندما قوت شوكة هذه الجماعات، كان أول مبدأ لها بعد النشأة هو رفض وتأثيم وتجريم بل وتكفير من يفكر في مراجعة أفكار الجماعة أو أن يحاول التجديد في عقيدتها مثلما فعل من أسس هذه الجماعة منذ زمن ليس بالبعيد بعد النشأة . لقد كان أول ما رفضته هذه الجماعات هو أن يبدأ أي فرد من أتباعها في إعمال العقل والتدبر والتفكير في العقيدة التي أنشأها مرشد وأمير الجماعة وكأن نعمة العقل قد أنعم بها العزيز القدير فقط علي هذا المرشد الأمير ومن خلفوه أما الأتباع والمريدين والمؤيدين والمناصرين وكل من دون الأمير ليسوا إلا ...... قطيع من الخرفان محرم عليه التفكير وإلا سقط في فخ المجادلة فهوي إلي هوة التكفير.

No comments:

Post a Comment