Tuesday, December 10, 2013

جمهورية الخرفان - تمهيد

عندما نتفكر في خلق الإنسان و نحاول أن نفهم كيف لهذا الجسد أن يعمل بهذا القدر من التوافق والتناغم بين كل أعضاؤوه وأجهزته ، فإننا لابد لنا أن نقف أمام هذه المعجزة التي تفوق كل المعجزات التي سمعنا أو قرأنا عنها في الكتب المقدسة ، لإن كل ماسمعناه عن معجزات السابقين لن يكون لها حجة المعجزة التي نراها اليوم ونعيشها بل ونعيش بها إن صح القول.

عندما نتفكر في خلق الإنسان فإنه لابد لنا أن نتوقف عند معجزة العقل البشري... !!
ما هذا الإبداع ... ماهذا التناغم ..... ماهذا الإعجاز ... !!
كيف يمكن لعضو لايزيد وزنه عن 2.5% من إجمالي وزن جسم الإنسان أن يتحكم في حركات وخلجات وتصرفات الإنسان ، بل ويكون ذاكرته ومرجعيته بعد أن زوده الخالق العظيم بقدرات هائلة من الإستقبال والتخزين والتحليل والإقرار وإصدار الأوامر ومراجعتها في خلال جزء من جزء من الثانية وبدون أن يكون لهذه الأوامر تعارضا مع أنظمة الجسم وطريقة عملها أو أن يؤثر ذلك علي قدرات الجسم أو معدلات أدائه.
سبحان الله ... والله إن التدبر فقط في قدرة العقل البشري علي تخزين المعلومات وإستحضارها وقت إحتياجها في شكل تناغمي مذهل لن يصل بنا إلا إلي وقوفنا مشدوهين ونحن نقول ....... سبحان الله .. !!
إن أعظم العقول الإليكترونية في العالم لا يمكن أن تصل إلي هذا الإبداع الإعجازي للعقل البشري الذي يختزن ذكرياتنا وتصرفاتنا وأحداث حياتنا ومانمي إلينا من معلومات وأخبار وعلوم مثله في ذلك مثل أي عقل إليكتروني. ولكن هل يوجد عقل إليكتروني يستطيع أن يشعر بالمعلومات المخزنة داخله وأن يستشعر مواطن الخير والشر فيها وأن يربط بين مايأتيه من معلومات وبين مافيه من ذكريات. هل يوجد عقل إليكتروني - مهما وصل الإنسان إلي أرقي مراتب العلوم والتكنولوجيا – يستطيع أن يقدر النوايا ويحلل العاطفة ويراعي المشاعر.
إن كل أمراض الدنيا يمكن للإنسان أن يتعايش معها مهما وصلت إلي مراحل متقدمة من الشراسة وبما يهدد صحة الإنسان في العموم. ولكن عندما يفقد الإنسان عقله سواء بأن يصيبه الجنون أو مرض نفسي أو عندما يصاب بمرض فقدان الذاكرة وتواهي القدرة علي التذكر (الزهايمر) ، فإنه وقتها يصبح جسد بلا عقل فلايقبل منه رأي ولايؤخذ منه عدل لإنه يصبح حينها إنسان غير مسئول عن كلامه أو أفعاله بعد أن فقد هذه النعمة التي فضله بها الله علي كافة المخلوقات بأن جعله إنسان ........ عاقل.
ويكمن الإعجاز في خلق العقل أن الخالق العظيم قد جعل من آلية إستقبال وتخزين المعلومات في العقل البشري نظاما خاصا جدا بالعقل البشري فقط لايجاريه في ذلك عقل إليكتروني أو أي عقل أخر كائنا ماكان ، وذلك لإن المعلومات يتم تخزنينها في العقل البشري كتغيرات تحدث في التشابكات العصبية للخلايا التي يصل طولها إلي ملايين الأميال في إبداع من الخالق لايناظره إبداع ، بحيث أنه عندما يري الإنسان شيئا لأول مرة في حياته يحدث تنشيط لمنظومة عصبية معينة داخل خلايا عقل الإنسان.
فإن تكرر حدوث ذلك الشئ حدث التنشيط ذاته لمنظومة الخلايا فيقوي تشابكها وتصبح قادرة علي إستدعاء الحدث الأصلي بل وربطه بما توفر لكل خليه من مؤثرات مستجدة سواء في نفس الحدث أو في أحداث مقاربة وهذا هو ما يكون ذاكرة الإنسان حتي يصبح مجرد مس أي جزء من هذه المنظومة كافيا لإثارة المنظومة كلها وإستدعاء مافيها من معلومات وذكريات بل وتحليلها وإعطاء الأوامر بناء علي ذلك كله.  
كل أحداث حياتنا وذكرياتنا بما تتضمنه من صور ومعلومات وأشخاص ومواقف وأرقام وكلمات يتم تخزينها في صورة إشارات تستقبلها خلايا هذا الجهاز الإعجازي بدون أي تسجيل مادي لها أو عضوي مثلما هو الحال مع الحواسب الإليكترونية التي ينصحنا العلماء دائما بأن نحتفظ بنسخة من المعلومات بشكل منفصل علي إسطوانه مدمجة تحسبا لأي أصابه تفقدنا ما جمعناه من معلومات فيضيع معها تعب السنين.
ولهذا نجد أن الإنسان في مرحلة النشأة يكون أقدر مايكون علي إستقبال الكثير من المعلومات وتخزينها حتي ولو لم يستطيع الإستفادة منها في حينه لإن المقصود في هذه المرحلة هو توسيع مدارك الإنسان وتأسيس منظومة المعلومات لديه بما يمكنه من تنشيطها متي إحتاج لها في الكبر. لذا، فإنه كلما قمنا بتنويع مصادر الإدراك لدينا وزيادة موارد المعرفة من قراءات ومشاهدات وتحليلات وكلما أفردنا مساحة أكبر من حياتنا للبحث والتمحيص وأنه كلما عودنا عقولنا علي التفكير المتنوع وإستدعاء مالدينا من معلومات وعقد المقارنات بينها ، فإننا نتمكن مع الوقت من بناء القوة الإدراكية للعقل التي تصبح مع الوقت هي مفتاح شخصية الإنسان وجوهر عقيدته.
لقد خلق الله الإنسان بعقل يفكر حتي يصل إلي مرحلة الإدراك والمعرفة ، وقلب يستشعر مواطن الأيمان في حدود المعرفة التي وصل إليها العقل فيغلفها باليقين الذي يجعل من المعرفة محركا سويا للجسم ليتحرك في مهمته التي أوكلها إليه الله سبحانه وتعالي من إعمار الأرض بناء علي إدراكه ويقينه وعمله.
فإن غفل الإنسان عن المهمة التي أوكلها له الله من إعمال نعمة العقل التي أنعم به عليه العزيز القدير، فلم يفكر ولم يعقل ولم يتدبر وجعل من عقله مجرد محركا بيولوجيا لأجهزة جسمه و ترك مهمة التفكير والتدبر لغيره من البشر ليفكروا ويأتون له بالأفكار الجاهزة للتطبيق في شكل عقيدة إنسانية أو نظرية فلسفية أو رسالة حزبية ، فهو بهذا قد أغفل الدور الذي أوكله الله لعقله والذي سيسأل عنه يوم القيامة هو وحده كما سيحاسب عليه وحده أيضا مهما كانت حجته ومهما كان قدر من تبعهم لإن الله سبحانه وتعالي عندما أعطانا العقل في شكل منحة وعطية إلهيه لم يعطها لأحد من خلقه غير بني أدم ، فإنه قد قرن نعمة العقل بأمانة التكليف وما تبعها من إْعمال العقل في التدبر والتفكير.
لهذا كانت القوة الإدراكية للإنسان هي مكمن الرفعة التي يمكن أن نفرق بها بين إنسان و إنسان. القوة الإدراكية لما إجتهد في الوصول إليه من علم ، والقوة الإدراكية لما عمل علي أن يستقر في قلبه من الإيمان ، والقوة الإدراكية لما حاول جاهدا أن يخفيه من نوايا لايصح بدونها عمله . والإنسان بين علمه ويقينه ونيته  يسير في حياته متأرجحا باحثا عن الحقيقة ساعيا إليها كلا علي قدر إجتهاده و بناء علي ماتوفر لديه من علم و ما تحقق من سعي في تمحيص هذا العلم حتي يرتفع بعلمه إلي مرحلة الإدراك.
فإذا ما وصل الإنسان إلي مرحلة الإدراك وجب عليه التدبر والتفكر حتي يرتقي من مرحلة الإدراك إلي مرحلة الإستبصار، لإن تدبرنا وتفكيرنا في أمور ديننا ودنيانا هو إعلان قبولنا الأمانة التي خص بها الله سبحانه وتعالي بني أدم من نعمة العقل حتي جعل من عقله هو الحكم في كل ما أدركه من علوم. أما عندما يكون تحصيلنا للعلم بغرض إحداث الفارق للوصول إلي الوجاهه والسيادة المجتمعية ، فهذا هو العلم الذي يعطينا الأفضلية في الحياة الدنيا ولكنه لن يفيد في الدار الآخرة إلا إذا صادقت نوايانا علي أعمالنا . أما هؤلاء الذين إرتضوا أن يستبدلوا عقولهم بعقول الآخريين ليسيروهم كما يشاؤون ويجعلون منهم أفراداً في قطيع يسيرون به وفق رؤيتهم ووفق عقيدتهم فإن هؤلاء هم المغيبون الذي قبلوا أن يتنازلوا عن النعمة التي فضلهم بها الله علي كافة مخلوقاته . هؤلاء هم من قبلوا أن يتنازل عن ما ضمنه لهم الغفور الرحيم من المغفرة والرحمة لكي يستبدلوها بصكوك للغفران ممن لا يملك حق منح هذا الصك. هؤلاء هم من قبلوا أن يعيشوا في قطيع تحركهم عصا الراعي وجزرته فلايرون إلا ما يري ولايسمعون إلا مايسمع .
يقول الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه في تصنيفه لأنواع البشر: (( الناس ثلاثة، عالم رباني ، ومتعلم علي سبيل النجاة وهمج رعاع أتباع كل ناعق لم يستضيئوا بنور ولم يلجاؤوا إلي ركن وثيق)).
لقد أوجز الإمام علي في تعريفه لأحوال البشر بأن جعل من مقدار إعمالنا للعقل هو الحكم . فمن تدبر وتفكر كان ربانيا لإن إعمال العقل هو دليل قبول الأمانة ، ومن رغب في العلم وعمل علي الإستزاده من المعرفه لكي يقال عنه أنه عالم فقد أبصر طريق النجاة ولكنه لن يدركه إلا إن صحت نيته وصادقت علي عمله. أما هؤلاء الهمج الرعاع ممن قبلوا أن يعيشوا وفق ثقافة القطيع وقد قبلوا جميعهم أن يجعلوا من عقولهم مراكز إستقبال وتخزين لكل مايأتيهم من أفكار وعقائد وأوامر ، فهؤلاء هم غثاء السيل.
 

 

No comments:

Post a Comment