منذ بداية الخليقة ، علم الإنسان أن السيطرة علي مقدرات
الشعوب لاتكون إلا عن طريق مدخل الدين .... مدخل العقيدة ..... مدخل القناعة
الفكرية . منذ بداية الخليقة عمد كل من أراد ملكا أو جاها أو حتي قيادة مجتمعية
إلي أن يصبغ فكره بالطابع الديني أو الطابع اللاديني وكلاهما سواء.
منذ بداية الخليقة عمد كل طامع في ملك أو في سلطة أو في
مكانة مجتمعية إلي تحويل الفكر البشري الإجتهادي محدود النظرة إلى كونه
مرجعية تشريعية تقديسية تعطي للرأي البشرى القداسة التي تحرم معارضته أو تفنيده
وهو ما هدف في الأساس إلي الحفاظ علي المصالح الشخصية في الخصوص أو الفئوية في
العموم ولكنها أبدا لم تكن مصالح دينية لإن الدين لم ولن يكون حكرا علي شخص أو جماعة
مهما بلغت من آيات الزهد والورع.
أما على الصعيد الخاص بالسياسة و السلطة والوصول إلي سدة
الحكم ، فقد عمد كل من طمع في الحكم إلي توظيف جماعة التابعين المعتنقيين لفكرهم
الآعور الذي تم صبغة بصبغة الدين و المعتقدات الإنسانية والإصلاحات الإجتماعية
للوصول لأغراض سلطوية سياسية يحكمها رغبة دفينه لأصحاب الفكر في الإنفراد بالحكم
وتكوين دويلتهم التي تدين لهم هم فقط بالولاء والطاعة والتبعية الفكرية لصاحب هذا
الفكر بغض النظر عن تعارض هذا الفكر مع المعتقدات السائدة أو خروجهم علي وحدة المجتمع الذي
يعيشون وسطه.
إنها هذه الشهوة السيادية المتأصلة داخل كل منا منذ يوم
ولادته وحتي يوم مماته والتي تجعل كل منا يحلم بأن يحكم ويتحكم فيمن حوله ويكون له
من القدرة مايجعله قادرا علي تجميع الناس من حوله فيأتمرون بأمره ولايردون له أمرا
ويدينون له بالسمع والطاعة عندما يكون له الولاية عليهم ، إنها شهوة الحكم.
عندما خلق العزيز القدير بني أدم أعطاهم العقل ليتدبروا
به أمرهم كما وأعطاهم من الشهوات ما تتحكم في درجة أيمانهم وإنصياعهم لحكمه وبين
قدرتهم علي تحكيم عقلهم أو إحتكامهم إلي شهواتهم تأتي درجة أيمان كل إنسان وبالتالي
تتحدد نسبة فلاحه في إجتياز إمتحان الدنيا أو الإخفاق فيه.
وقد جعل الله سبحانه وتعالي الشهوات درجات مابين الشهوات
السائدة والشهوات السيادية. والشهوات السائدة هي تلك الشهوات التي تتحكم في جميع
بني أدم علي مختلف أشكالهم وألوانهم وإنتمائاتهم بنفس القدر من التملك لإنها شهوات
حسية ملموسة مثل شهوة الأكل والشرب والنوم والجنس . فكلنا تتملكه هذه الشهوات ،
وكلنا نستجيب لها في نهاية الأمر إذا ما تملكتنا كل حسب قدرته ولكنه في النهاية
لابد أن يستجيب لها وإلا نغصت عليه عيشته وجعلته يفقد الإحساس بنعيم الحياة. فمن
منا يستطيع أن يصبر علي ألم الجوع ، أو من منا يستطيع أن يقاوم النوم ....... وإلي
متي ؟
أما الشهوات السيادية فهي تلك الشهوات النفسية التي تحيا
بداخلنا وتتملكنا ولكننا لا نستطيع أن نطلق لها العنان إلا إذا سخرنا لها قدرتنا وأوجدنا
لها المقومات اللازمة لتحقيق هذه الشهوة. كلنا لدينا شهوة التفاخر سواء بالعلم أو
بالمال أو بالنسب أو بالأعمال، ولكن هذه الشهوة لانطلقها إلا إذا كان لدينا ما
نتفاخر به أو إذا ما أوجدنا لأنفسنا ما نتفاخر به حتي ولو كان حفظنا لبعض آيات
القرأن.
كم مرة جلستم مع بعض الناس لتجدوهم يبدأون في تحويل مجري
الحديث حتي يستطيعون أن يدعموا قولهم ببعض الآيات التي يحفظونها لإثبات أنهم أهل
ذكر بما يجعلهم يستطيعون التفاخر أمامكم بما يحفظونه من أيات ليستدلوا بها علي مدي
علمهم وتفقههم في الدين.
ولكن تبقي شهوة الحكم هي الشهوة ..... إنها الشهوة التي
تتولد داخلنا ونحن لازلنا أطفال عندما نستمر في البكاء والصراخ إذا لم يستجيب لنا
الأهل فيما نطلبه لنجعل من طلباتنا أوامر لاتقبل إلا التنفيذ وإلا ملئنا أسماعهم
صراخا وعويلا حتي يستجيبوا لنا. وعندما نكبر ، تكبر معنا هذه الشهوة ولكنها تظل
كامنة داخل كل فرد فينا لانستطيع إخراجها لإننا فقدنا ميزة دلال الطفولة التي كانت
تجعلنا نحكم تحت وطأة صراخنا أو بكائنا أو دلالنا. فنبدأ في البحث عن المقومات
الجديدة التي يمكن أن تصل بنا إلي سدة الحكم
إن شهوة الحكم لايمكن إطلاقها إلا إذا توفرت لها من
المقومات مايجعلها مقبولة من الآخريين لإنها شهوة تتولد داخل الإنسان ولكن يلزمها
في المقابل شهوة الإستكانة إلي قبول الحكم عند الآخريين.
فالإنسان الذي تتملكه شهوة الحكم لابد له من أن يعززها
بالكثير من إصباغ العلم أو القدرة أو القوة أو الثقافة أو المعرفة أو الجاه علي
نفسه بما يعطيه القدسية التي تجعل ممن حوله يميلون إلي إشباع شهوتهم في الإستكانه إلي حكم من هو أقدر وأعلم وأقوي
حتي يكون لهم جزاء التابعين. لهذا سنجد أن التاريخ يحدثنا عن عدد قليل جدا من
القادة الذين غيروا مسار التاريخ بما أتيح لهم من التحكم في شعوبهم من خلال فرض
قوتهم وقدرتهم وتعزيزها بالهالة القدسية التي أعطوها لأنفسهم وفي المقابل إستسلمت
هذه الشعوب لهم وسارت ورائهم وقبلوا أن يموتوا في سبيل القضية التي حلم بها القائد
وجعل منها محورا لتمكينه من الحكم والأمثلة علي ذلك كثيرة جدا ولكن مهما بلغ عدد
هؤلاء الحكام أو القادة فما هم إلا الآلوف وسط بلايين البشر.
ودعونا نعود
بالذاكرة إلي قديم الزمان منذ نشأة التاريخ وتكوين الدول والإمبراطوريات والكيانات
المجتمعية التي تشكل تاريخ البشرية والذي منه نستمد حاضرنا ونستطيع أن نرسم
مستقبلنا. عندما بدأ المصري القديم في الاستقرار في الوادي و التأمل في الموجودات
من حوله , خرج بنتائج هذا التأمل و هي عقيدة المصري القديم و حضارته التي
إعتنقها وظلت باقية حتي يومنا هذا. إنها صفة وجدت في المصري القديم منذ بداية
حضارته و استمرت معه و هي الارتباط القوى بعقيدته التي تغلب علي كل من عاش علي أرض
مصر من فراعنه وهكسوس وبطالمة ورومان ووصولا إلي العرب بمختلف ممالكهم ومرورا بالمماليك
حتي نصل إلي المصري اليوم.
لم يكن ملك مصر على مر التاريخ المصري القديم مجرد حاكم
أو مالك للأرض و لكنه كان رمز ديني، فأحيانا يعتبر إله كما في الدولة القديمة أو قد
يعتبر شخص مكلف من قبل الإله أو قد يتم تنصيبه ابنا للإله لإنه بهذا الوصف كان يجد
قابلية من الشعب لحكمه بدون الدخول في أي صراع فكري أو سياسي لإن الشعب المصري
بصفة خاصة وشعوب العالم من حوله بصفه عامه كانوا يرفضون أي حاكم أو ملك له مرجعية
سياسية ولكنهم يقبلون علي إستحياء من إصطبغ بالصبغة الكهنوتية وكان حكمه قائما علي
مرجعيته الدينية فيصبح رفض الحكم هو رفضا للدين وهو ما لايقبله العامة الذين يجدون
في الدين خلاصهم من متاعب وشقاء الحياة التي يعيشونها.
على مر التاريخ المصري الفرعوني إقترنت دائما السياسة
بفكرة التديين وإصباغ أهل السياسة بالصبغة الدينية عندما إنحصر هدف أي صراع سياسي إلي
وصول الشخص أو الجماعة الأكثر سيطرة والأكثر تنظيما للحكم ومباركة ذلك من قبل
الشعب الذي تعود علي أن لا يرفض الحكم الذي له مرجعية دينية وعقائدية تتماشي مع
عقيدة المجتمع. ونظرا لإن قابلية الحاكم مرتبطة بالدين عند المصري القديم ، لهذا
وجدنا الأطراف المتصارعة على الحكم وقد لجأت إلى تديين السياسة للحصول على مباركة
الشعب لمن سيحكم حتي وإن كان أبعد مايكون عن الدين.
بل أن الحاكم المصري عندما كان يواجه ببعض المعوقات التي
تؤثر على قابليته للحكم مثل الأصل الملكي كما في حالة الملك تحتمس
الرابع الذي لم يكن من اصل ملكي خالص فنجده وقد إستعان بكهنة رع لتأليف قصته
المشهورة المذكورة على لوحة الحلم الموجودة حاليا في جبانة الجيزة بين قدمي تمثال
أبى الهول و التي بمقتضاها يوضح انه مكلف من قبل الإله (رع حور أختى) لكي يحكم مصر
و هي القصة التي مكنته من اعتلاء عرش مصر و الحد من سلطة كهنة العقيدة المنافسة
عقيدة آمون ليكون تحتمس الرابع هو من أوائل الذين إستخدموا فكرة الإستعلاء
بالأوامر الآلهية لكي يصل إلي الحكم ويخضع الشعب لمشيئة الألهه التي قررت أن تنصبه
حاكما بغض النظر عن إستحقاقه لهذا المنصب من عدمه طالما أنه حصل علي تعميد الكهنه
بأنه مكلف من قبل الآلهه.
كما ويخبرنا التاريخ أيضا عن الملكة حتشبسوت التي كانت
تريد الاستقلال بحكم مصر و هي امرأة وهو ماكان تمنعه أو ترفضه تقاليد المجتمع
من تولي أمرأة لحكم البلاد ولكنها إستحضرت قصة تحتمس الرابع لتقوم بالإستعانة بكهنة
آمون لتأليف قصة الولادة الإلهية المذكورة على جدران معبدها في الدير البحري و
التي بمقتضاها استطاعت أن تثبت إنها ابنة الإله و أنها الأحق بحكم البلاد و بالفعل
استطاعت أن تستقل بالحكم. و هكذا كان الحكام دائما ما يلجأون إلى الكهنة لكي
يؤلفوا لهم القصص الدينية التي تعطيهم القابلية للحكم وكان الشعب في كل الأحوال
يقبل حكم الدين ويعليه علي العقيدة المجتمعية السائدة مهما تضمنت من تناقضات.
و علي الجانب الأخر قامت بعض المذاهب الدينية بتوليد ثورة
عقائدية لتحقيق أهداف سياسية كما حدث في حالة الملك اخناتون صاحب فكرة عقيدة أتون
الجديدة التي ألغت كل العقائد الأخرى بأطرها و كهنتها و علت بفكرة الإله الواحد و
الكاهن الواحد الذي أعتبر أنه هو المتحدث الأوحد بأسم ذلك الإله ليصبح في نفس
الوقت الملك الحاكم و بهذا كان من السهل عليه الاستقلال بالسلطة و الحد من نفوذ أي
سلطات دينية أخرى غير سلطة الملك الحاكم الكاهن
.ويجدر التأكيد أننا هنا لا نناقش صحة الفكرة العقائدية من
عدمها ولكننا نتعرض فقط لفكرة إستخدام العقيدة بغرض الوصول إلي الحكم أو إلي
البقاء فيه وهذا هو لب الموضوع
لهذا نجد أن إستخدام العقيدة في الحضارة المصرية القديمة
كوقود للأهداف و الصراعات السياسية قد أدى إلى تفكك المجتمع وتغييب جموع الشعب
الذي تفرق علي عقائد و مذاهب مختلفة كلا حسب قدر ثقافته وتصديقه في عقيدته بصفة
عامة أو حسب قدر إنتفاعه من الدخول والإنخراط في هذه العقيدة بصفة خاصة وهو ما أدي
إلي تفكك البلاد و الوصول إلي مرحلة الاضمحلال. بما فتح المجال للقوى الاستعمارية
من الخارج لاحتلال البلاد مثلما حدث في فترة الاضمحلال الثانية و في العصر المتأخر
لقد كان هذا الاستخدام المسيس للدين سبباً رئيسيا من
أسباب ضعف الدولة المصرية القديمة و بالتالي إضمحلال الحضارة المصرية بل و زوالها
كلية في عصور ما بعد الحضارة الفرعونية القديمة وقيام الحضارات المتعاقبة علي مصر
فيما بعد ذلك.
ولكن يذكر التاريخ أن المصريين لم يكونوا بهذه المسالمة
التي يمكن تصورها كنتيجة لتقبلهم لحكم الكهنة وسياسات ملوك الفراعنة التي تم
تديينها وتعميدها من قبل كهنة الآلهه. حيث أن المصريين القدامي قد قاموا بأول ثورة
في التاريخ بالشكل الذي نراه علي شاكلة ثورات اليوم وذلك في أواخر القرن الخامس
قبل الميلاد في نهاية عهد آخر ملوك الأسرة السادسة وآخر ملوك الدولة القديمة «ببي
الثاني» بعد فترة حكم استمرت نحو 96 عاماً، حيث تولى الحكم وعمره أربع سنوات وامتد
به الحكم حتى بلغ مئة عام وهي أطول فترة حكم في تاريخ مصر الفرعونية.
أما السبب المباشر لهذه الثورة كما يقول الباحث الأثري
أحمد صالح مدير آثار أبو سمبل والنوبة فتكمن في تراجع نظرة المصريين لحكامهم
«الملوك الآلهة» حتى وصلت الى إعتبارهم «أنصاف الآلهة»، مشيراً الى أن «مينا» موحد
القطرين كان اسمه «ابن الإله»، هذه النظرية دفعت الملوك بمن فيهم «ببي الثاني» لإساءة
إستخدام السلطة الممنوحة له والتي تم مباركتها من الشعب بعد أن دعمها كهنتهم ،
ولكن التحول الذي طرأ علي نظرة الملك لشعبه كخدم لمشيئته الملكية المدعومة من
الآلهه وما تبعها من تغيير في سياسات الدولة من إهمال رعاية الشعب وتوفير القدر
النذير من متطلبات العيش والإهتمام بإنشاء المعابد والمقابر والتي تطلبت الإستيلاء
على مقدرات الدولة كلها بل وفرض الضرائب الغير مسبوقة علي الشعب في حين خصصوا
جزءاً قليلاً من محصلات الدولة لرعاية أمور الشعب، كل هذه الأمور جعلت المصري
القديم يثور علي هذه السياسات العرجاء بل ويثور علي كل المقدسات الدينية ليعلن في
إباء أن السياسة ولو تم تديينها ، فإنها لا تصلح إلا إن راعت حقوق الشعب.
ومن أهم مكتسبات هذه الثورة الفرعونية أن المصريين قد كفروا
بأصحاب السلطة الدينية وخرجوا عليهم في إعلان رسمي لرفض السياسة الغاشمة حتي ولو
تم تديينها ، حيث اكتشف المصريين القدامي أن الملك وحاشيته وكهنة المعابد ما هم
إلا أصحاب مصالح ونفعيين ولا يهمهم إلا الثراء بعيداً عن الشعارات التي يرفعونها
باسم الإلهه أو بإسم الدين. لهذا إنقلب المصريون على الكهنة وهاجم الثوار المقابر
والمعابد، قواعد الحكم الديني، رغم أن المصريين من الشعوب المدمنة للإيمان،
ويعملون في حياتهم لكي يؤمنوا حياتهم في العالم
الآخر أكثر من عملهم لتأمين حياتهم في هذه
الدنيا وهو الأمر الذي إشتهرت به مصر الفرعونية ولكنه إستمر كطابع خالص للمصريين
مع إختلاف أنظمة الحكم عليهم وتغيير المعتقدات الدينية من الديانات الفرعونية
بكافة أشكالها إلي دخول الديانات الإغريقية والتي تبعها الديانة المسيحية بعد
الإحتلال الروماني لمصر وإنتهاء بإنتشار دين الإسلام في مصر حتي يومنا هذا، ولكن
كل هذه المعتقدات لم تؤثر علي عقيدة الإنسان المصري التي جعلته يعمل لأخرته قبل
دنياه وجعلته يصدق كل ما تخبره به هذه العقيدة ويثبته له كهنتها الذين إكتسبوا
مكانتهم داخل وجدان الشعب المصري طالما إحتفظوا بمصداقيتهم و أثبتوا إنحيازهم إلي الشعب
أمام طغيان الحكام وهو ما إفتقده كهنة الآلهه قبل قيام هذه الثورة التي كفرت
بهؤلاء الكهنة ومن ثم بالملوك الذين يؤيدونهم.
وبقيام هذه الثورة والتي إستمرت لفترة طويلة من عمر الشعب
المصري إنتشر فيها أعمال الشغب والبلطجة إلي الدرجة التي أطلق عليها المؤرخين أنها
ثورة الجياع تماما كما يطلق علي ثورات هذا العصر، فقد دخلت مصر في مرحلة من عدم
الإتزان لم تنتهي إلا عندما تم إختيار حاكم من الشعب هو الملك أمنمحات الأول.
ولكن لإن طبيعة هذا الشعب الذي ولد التاريخ علي يده كانت
تنطوي علي هذه المرجعية الدينية في كل نواحي الحياة ، حتي بعد أن لعب القدر دوراً
كبيراً في إختيار الملك المصري الجديد الذي إستطاع توحيد المصريين وإعادة بناء
الدولة وذلك حسب بردية «نفر تي» التي أخبرتنا عن الملك أمنمحات الأول بصفته «ابن
الشعب» و الذي وجد نفسه يتصدر الأحداث في زمن الثورة نظراً لخلفيته العسكرية، ولكن
كالعادة بدأ الناس في التشكيك في دمه الملكي أو أنه «ابن الإله» أو ممثل للإله بما
لا يعطيه الحق في حكم البلاد ، لتظهر قصة «أميني» الملك الذي يأتي من الجنوب لحكم
البلاد و التي اقنع الناس أنفسهم بها ليقبلوا أمنمحات الأول كملك لمصر وليتم
تعميده من قبل الكهنة وكأن الحكم لا يكون إلا لمن أعطي الصبغة الكهنوتية وتم قبوله
أولا من رجال الدين قبل أن يقبله الشعب ويقر له بالحكم ..... عجيب أمر هذا الشعب
.... يثور ويفور ثم يأتي بصورة مستنسخة مما ثار عليه.
ويخبرنا التاريخ عن أعمال الشغب التي تمت أثناء هذه
الثورة أنها كانت غير مسبوقة وأنها كانت دموية بالشكل الذي تحوّل معها لون النيل
إلى الأحمر ولجأ المصريون لحفر الآبار بقرب النيل ليشربوا مياهاً نظيفة! فقد اقتحم الشعب أثناء الثورة الأهرامات والمعابد
ودور الكهنة في إعلان صريح عن ثورة المصريين القدامي علي النظام الكهنوتي الذي دعم
نظام الحكم الفاسد وفي رفضهم لكل ما تم تقديسه قديما حيث هاجم المصريين تماثيل
الآلهه التي كانت تحمي المقدسات الملكية وقاموا بسرقة موموايات الملوك وحاشيتهم
وألقوا بها في الطرقات كإعلان للثورة علي المقدسات الدينية، كما وقامت الجماهير
بسرقة الكنوز الموجودة بهذه القصور والمعابد وهو ما يعتبر هجوماً على النظام
الحاكم. كما قام الثوار حسب بردية «نفر تي» بمهاجمة مجالس القضاء وحرق مستندات
القضايا وإلقائها في الشارع مؤكدين أن القضاء لم يكن نزيهاً في عهد «بيبي الثاني»
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هاجموا المكاتب الحكومية التي توجد بها السجلات
التي تضم مديونيات الشعب وقيمة الضرائب المفروضة عليهم والتي كانت هي السبب
الإقتصادي المباشر في قيام هذه الثورة ليتم إخلاء طرف الشعب بإرادة الشعب من كل
مستحقات الجباية التي فرضها عليهم الملك الإله الذي رفضه الشعب ورفض وصايته علي
الحكم.
وقد أطلق أنصار الطبقة الحاكمة من الحاشية الملكية وكهنة
المعابد في ذلك الوقت علي هذه الثورة «ثورة الجياع» أو «ثورة الفقراء» كما ورد في
البردية التي وثقت الثورة و حاولوا تصويرها على أنها «انقلاب اجتماعي» في حين أنها
كانت ثورة بكل ما تعنيه هذه الكلمة لأن المصريين تحركوا في وقت واحد وفي أماكن
متفرقة من البلاد لإسقاط نظام حكم بيبي الثاني بكل ما تضمنه من هيمنة سياسية
ودينية ، أعقبها فترة إنتقالية تضمنت أربعة أسر حاكمة ولكن لم يدوم حكمها كثيرا
حيث يخبر التاريخ أن مصر قد تولي الحكم فيها 70 حاكما خلال 70 يوما من شدة
الإضطرابات التي جاءت بها هذه الثورة ولإصرار الشعب علي رفض كل ما كان علي علاقة
بنظام حكم بيبي الثاني
وهو مايظهر التغيير الجذري في رؤية المصري القديم للحكم
العادل الذي يجب أن يكون حكمه مدعوما بالشعب ولا يعمل إلا لصالح الشعب حتي وإن كان
مدعوما بمباركة الألهه وتأييد كهنتهم ، إلا أن سر الملك يبقي دائما في قدرة الحاكم
علي إحتواء شعبه بالشكل الذي يقبله الشعب أولا وأخيرا ، فإن لم يكن تديين السياسة هو
الحل ، فليكن إذا تسييس الدين وهو ما سنراه واضحا جليا خلال الفصول التالية.
عندما فتح الاسكندر المقدوني مصر في خريف عام 332 , و بمجرد
أن وصل إلى منف – عاصمة الدولة المصرية في حينها - حتى سارع إلى تقديم القرابين
للالهه المصرية الوطنية ؛ و تتويج نفسه في معبد فتاح على نهج الفراعنة القدماء وكأنه
أحد هؤلاء الملوك الفراعنة؛ و السؤال هنا هل كان الاسكندر حقيقة يؤمن بالعقيدة و
الآلهة المصرية القديمة ؟ هل قرر الإسكندر المقدوني الفاتح العظيم - تلميد الحكيم
أرسطو الذي ينتهج المدرسة الأرسطية الفلسفية ويتبع العقيدة والثقافة اليونانية - أن
يتبع العقيدة المصرية القديمة بمجرد دخوله لأرض مصر؟
بالطبع لا يمكننا التصور بحال من الأحوال أن يتحول هذا
الشاب ذو العقلية الفذة والذي تربي بين عظماء الفلاسفة في زمنه وحارب من أجل
عقيدته وسار إلي أقاص الأرض من أجل إعلاء ثقافته وعقيدته بل وقوميته ، من الصعب
جدا أن نصدق أنه تحول فجأة بمجرد دخوله مصر إلي إعتناق الديانة المصرية. ولكن
الواقع يخبرنا انه لم يريد بفكرة تتويجه من قبل آلهة المصريين إلا أن يحصل على
قابلية المصريين لحكمه ودخول مصر سلميا ضمن الإمبراطورية التي كونها. لهذا فقد إختار
كالعادة تسييس الدين لتحقيق ذلك و كان الوضع مؤهل لذلك بعد عصر من الاضطهاد الديني
عاشه المصريون من قبل الفرس أثناء حكمهم لمصر بعد وقوع الدولة المصرية القديمة.
و لعل ما يؤكد نظريتنا من تمسك الاسكندر بالحضارة
الإغريقية التي تربي عليها وحارب من أجلها وفتح أقاصي الأرض إعلاء لها انه يوم خرج
من بلاده قاصدا فتح الشرق فقد أعلن انه رافع لواء الحضارة الإغريقية و لهذا نجده بعد
تتويجه في منف أنه قد أقام حفلا إغريقيا رياضيا موسيقيا خالصا حسب الطقوس والمراسم
الإغريقية التي تربي عليها وشاركه فيها المصريين ممن قبلوا بحكمه بعد تتويجه من
كهنة معابدهم بعد أن أعتبروا أن طقوس الإحتفال الأغريقية هي مشاركة منهم لمليكهم الجديد
الذي شاركهم عقيدتهم فشاركوه هم إحتفاله.
و من هنا يتضح
لنا أن سياسة الإغريق بداية من الاسكندر المقدوني وحتى نهاية العصر البطلمى كانت
تعتمد في المقام الأول علي تسييس الدين لبسط السيطرة على الشعب و الإنفراد بحكم
مصر وقهر أي مقاومة شعبية لحكمهم الذي تم صبغته بالشكل الديني العقائدي الذي يمنع
المصريين من مناهضته. يتجلى هذا الفكر لنا بشدة في العصر البطلمى بعد أن استقل
بطليموس الأول بحكم مصر بعد أن أعلن نفسه ملك مؤله على مصر و أعطى لنفسه حق ملكية
أراضى البلاد و اعتبره حق ديني منحته أياه الألهه المصرية ؛ فما كان منه إلا إن
أقام ثلاث ولايات إغريقية تعامل معاملة الولايات الإغريقية ولها كافة حقوق المواطنين
من التمتع بالثقافة الأغريقية و هذه الولايات كانت الإسكندرية و بطولوميس و
نقراطيس ، أما بقية الاراضى المصرية و التي كان يسكنها المواطنين المصريين
الأصليين ذوي الثقافة المصرية و العقيدة المصرية فكانت أراضيهم كلها تعد من أملاك الملك
الإله و أهلها هم عبيد له يعملون في خدمته ويعيشون عبيد إحسانه وعطاياه.
وتدل الوثائق التاريخية الهيروغليفية و الديموتيقية أن
الملك بطليموس الأول حمل بعض ألقاب ملوك الفراعنة التقليدية كما فعل أيضا الملك
بطليموس الرابع الذي إتخذ كامل صفة الملوك الفراعنة ليضمن ولاء المصريين التام له
عندما قرر في عهده الاعتماد علي المصريين في تكوبن جيش قوي يمكنه من تحقيق مخططه
التوسعي فما كان منه إلا محاولة التقرب منهم عن طريق الدين لكي يضمن ولائهم .
و لكن البطالمة من داخلهم وعلي مدي فترة حكمهم لمصر التي
إستمرت قرابة ثلاثمائة عاما تولي خلالها 15 ملكا وملكة من البطالمة الحكم كانوا
متمسكين بعقيدتهم الإغريقية و آلهتهم الإغريقية و هذا التمسك كان يظهر لنا في
الولايات التي تم فصلها لتعامل معاملة الولايات الإغريقية في مصر. و لكن يجب
الإشارة هنا إلي أدراك البطالمة لتأثير مكانة الكهنة المصريين على عامة الشعب وقدرتهم
علي نشر الهدوء والسكينة بين جموع الشعب بمجرد إشارتهم لمكانة الملك الدينية
وتثبيت الآلهه لحكمه وقرارته ، وهو ماجعلهم يعملون حثيثا علي إستمالتهم عن طريق
العامل المادي في معظم الأحوال وعن طريق الحظوة والمكانة في بعض الأحوال والترهيب
من فقد الحظوة في أغلب الأحوال ، وذلك لاستغلالهم في تثبيت حكمهم وإحكام قبضتهم
علي الشعب لقبولهم ملوكا لمصر وشعبها.
و مثلهم مثل كل من جاء لحكم مصر، لم يدرك البطالمه فكرة النزاع
العقائدي في مصر بين كهنة منف و كهنة آمون وقدرة كل فريق علي الإستنصار بأتباعه
الذين لايوالون إلي ملك أيا كان ، ولكنهم يوالون عقائديا ونفسيا وجسديا لكهنة
عقيدتهم ومن يرتضونه حاكما عليهم. لهذا كان يتقلب الأمر عليهم لنجد توتر في علاقة
البطالمة مع كهنة آمون مقابل تحسن العلاقة مع كهنة منف و العكس. و هو ما أدي إلي
ظهور الضغائن و كان بداية الثورات الشعبية التي بدأت بتأييد ديني من الكهنة حتى
أهلكت هذه الثورات الحكومة المركزية البطلمية و كانت سبب رئيسي من أسباب ضعف دولة
البطالمة و انهيارها لصالح الحكم الروماني في مصر
و الغريب في الأمر أن الملك
بطليموس الأول قد حاول جمع الكهنة لخلق ديانة جديدة "ديانة سيرابيس" تجمع
بين العقيدتين المصرية و الإغريقية للتأليف بين قلوب الشعب في محاولة منه لتسييس
الدين عن طريق خلط الأوراق والجمع بين المعتقدات المختلفة وإعلاء عقيدة جديدة يمكن
أن تصبح هي العقيدة السائدة لكل الشعب حتي يستطيع الإنفراد بالحكم بعيدا عن أي منغصات
أو أطماع سلطوية من أي عقيدة أخري وهو ما يماثل محاولة الملك المصري القديم
اخناتون ولكن مع الفارق أن إخناتون كان يدعو إلي الآله الأوحد أتون في حين أن
بطليموس الأول قد عمد إلي الجمع بين الآلهه في ثالوث حاكم مكون من الإله سيرابيس
الاغريقى و الألهه المصرية ايزيس و إبنهما هاربوكراتس الذي يعتبره البعض محاكاة
لأسطورة خلق الإله حورس.
وقد أقدم الملك بطليموس الأول علي هذه الفكرة عندما لاحظ
تعدد الفرق و الأجناس ذات الثقافات الدينية المختلفة مما قد أثر فعليا على وحدة البلاد
و شكل تهديدا حقيقيا للحفاظ على ثروة مصر التي كانت من وجهة نظرة مرتبطة بأنغماس
المصريين داخل العقيدة الإغريقية. و رغم أن ديانة سيرابيس هذه قد انتشرت ليس فقط في
مصر بل في معظم دول البحر المتوسط لكنها لم تحقق الغرض السياسي المرجو منها حسبما
تفيد كل كتب التاريخ التي أهتمت بدراسة هذه الحقبة.
لم تستطيع هذه الديانة الصمود أمام تمسك المصريين بعقيدتهم
القديمة و حتى من عبدوا ثالوث سيرابيس عبدوهم بصفتهم آلهة مصرية و هو نفس ماحدث مع
الإغريق الذين لم يروا في هذه الديانة إلا أنها شكل من ألهتهم الإغريقية.. لهذا لم
تنجح هذه الديانة في استقطاب قلوب لا المصريين ولا الإغريق لأنها كانت واضحة حتي
لمن إعتنقها أنها محاولة دينية مستترة لتسييس الدين فشلت كما فشلت من قبل عبادة
أتون في مصر القديمة.
هل إستطعنا أن ندرك قدم فكر تديين السياسة أو تسييس
الدين؟
هل إستطعنا أن نري جليا أن هذه الفكرة هي من أساسيات
ومبادئ الفكر السلطوي الإنساني وأن معظم الحضارات الإنسانية إن لم يكن كلها قد
إنتهجت هذا الفكر ليس لأنه الفكر الأصوب ولكن لأنه أقصر الطرق التي تمكن الأقلية
الحاكمة من السيطرة علي الأغلبية المحكومة التي بيدها مباركة أمر الحكم و دعم إستمراره
وإعطاء الصلاحيات لمن بيده الحكم .... أنه أقصر الطرق للسيطرة علي الشعوب التي قد تعلي
من الحاكم حتي تؤلهه أو قد تهوي به إلي أسفل السافلين إذا فقدت أيمانها بمصداقية
دعوته وتأكدت من عنصريته الفكرية وولاؤه القبلي
لم يقف هذا الفكر العنصري عند حد المصري القديم بل تدرج
مع السنين ووصل إلي كل الحضارات من حوله التي نشأت موازية للحضارة المصرية أو حتي
في الأزمنه اللاحقه والأمثلة كثيرة ..... كثيرة.
في العصر الأول من بداية الحكم الروماني لمصر ، كان
الرومان ينظرون إلى معتقدات المصريين نظرة دونية مليئة بالإحتقار حيث كانوا
يعتقدون مثلهم مثل كل من يعتقد في صحة معتقداته فلا يري من معتقدات الآخر إلا
سفاهتها ودونيتها. لكن سرعان ما تغيرت هذه النظرة إزاء استمساك المصريين
بمعتقداتهم حيث أدرك أباطرة الرومان حاجتهم لإستخدام هذه المعتقدات بدلا من
تسفيهها وذلك لإصباغ حكمهم بالشرعية اللازمة للحصول على قابلية الشعب لحكمهم و
ضمان إخلاص الشعب لهم ؛ فما كان منهم إلا أن ساروا علي درب البطالمة في
اتخاذ صفة الفراعنة ، فوجدنا حاكم مصر الروماني وهو يتشبه بالفراعنة فلا يركب
النيل وقت الفيضان و يقدم القرابين عند بلوغ النيل أقصى ارتفاعه و غيرها من
المظاهر التي إعتاد عليها المصريين. و أيضا اخذوا عن المصريين و الإغريق تأليه
الملوك فقرنوا الأباطرة بالآلهة مثلما قرنوا الإمبراطور أغسطس بالإله زيوس أو عندما
قرنوا الإمبراطور نيرون بالإله أجاثادايمون , أما في علاقة الرومان بالفرق الدينية
المختلفة داخل مصر فقد اتبعوا سياسة فرق تسد لصرف هذه الفرق في النزاع فيما بينها
بدلا من التوحد و الثورة على الرومان.
أما في الفترة الثانية من حكم الرومان وهي التي بدأت بعد
ظهور المسيحية و انتشارها حتى أصبحت الديانة الأولى منذ عهد ديوقلديانوس حتى دخول
العرب فسنجد أن الأمر قد تحول من تسييس الدين إلى فكر تديين السياسة حيث انتشرت
المسيحية في مصر منذ بداية القرن الثالث الميلادي و تمكنت من التغلب على الأفكار والعقيدة
الوثنية التي حكمت مصر قرونا طويلة إلا أن الخلافات بدأت تظهر بين المسيحيين
أنفسهم عند ظهور بعض الفرق صاحبة الأفكار الجديدة مثل الاريوسية و النسطورية .
و لكن الخلاف الأبرز الذي استمر حتى الآن قد بدأ بخلاف
بين كنيستي روما و الكنيسة المصرية عام 451 بعد ارتقاء الإمبراطور مرقيانوس العرش
حين رفض الأنبا ديسقورس بطريرك الإسكندرية الموافقة على بعض المسائل الإيمانية التي
أوردها لاون أسقف روما عن طبيعة المسيح الذي استخدم نفوذه ليقنع الإمبراطور
بعزل ديسقورس عن منصبه مما أشعل الخلاف لتبدأ حقبه من المذابح و الاضطهاد نتيجة
هذا الاختلاف الفكري الديني بين الأرثوذكس أتباع كنيسة الإسكندرية من جهة و
الكاثوليك أتباع كنيسة روما من جهة أخرى و هو ما تحول إلي قرارات سياسية ظالمة على
الشعب المصري أدت إلى انهيار مصر اجتماعيا و تفككها بما ساعد على الفتح العربي
للبلاد فيما بعد.
و نستطيع أن نعتبر الفترة الثانية من حكم الرومان هي
مرحلة التطور التي تحولت بالصراع الفكرى العقائدي ليصبح صراعاً سياسياً خالصاً ، و
إن كان لا يمكن هنا بمكان أن نعتبر أن هذا الصراع كان نتيجة لتسييس الدين ؛ بل أن
الخلاف الديني هو الذي اثر على الساسة و الحكام و تحكم بقراراتهم وهو ما يجعلنا
نجزم بأن هذه الفترة كانت هي المحك الرئيسي لفكرة تديين السياسة التي بدأت جلية
منذ هذا العصر لتبقي فكرة غالبة لمعظم مدعي الإصلاح حتي وقتنا هذا، حيث عمد كل من
أتي بعدهم إلي فرض معتقداته الدينية بقوة العقل والمنطق في البداية ثم بقوة الصراع
والغلبة لاحقا وإنتهاء بقوة السلاح إذا ما أقتضي الأمر ذلك. لقد سار كل طالبي
السلطة والراغبين في الوصول إلي الحكم علي درب رجال الدين الرومان الذين كانوا
يقاتلون من أجل فرض الفكر المذهبي أولا بدعوي نشر الدين وتحكيمه ثم لتستقيم
السياسة بعد ذلك عندما تدين لهم البلاد بالحكم.
وعندما إتجه العرب لفتح مصر
، لم يكن هذا عن مقصد سياسي بقدر ما كان نتيجة للصراع الاسلامى الروماني عندما رفض
الرومان السماح للمسلمين بتبليغ رسالتهم عندما تمادوا في إضطهاد هذا الفكر الجديد
و محاربته مما دعي المسلمين إلى محاربة الروم والإجهاز علي إمبراطوريتهم حتي
يستطيعوا إتمام دينهم وتبليغ رسالتهم الدينية حيث كانت الفتوحات في هذا العهد ذات
نيات دينية خالصة و دفاعا عن الإسلام و المسلمين.
ونستطيع أن نرصد بداية فكرة تسييس الدين لدى المسلمين بعد
عودة الصراع مرة أخرى إلي شكله العرقي الذي كان دائراً في الجاهلية بين بنى أمية و
بنى هاشم و الذي إستفحل بعد إنشاء الدولة الأموية و توريث الحكم ليزيد بن معاوية
بن أبى سفيان و من هنا سارع الخلفاء الأمويين في استخراج الفتاوى من العلماء
المسلمين لتأييد حكمهم و صلاحيتهم للحكم. و من هنا بدأت فكرة تسييس الدين في
الدولة الإسلامية لكسب القابلية الشعبية للحكم دون اعتراض و لتطبيق شكل من أشكال
الثيوقراطية مستنكرين مبدأ الشورى في الإسلام بعد إقرار الحكم بالتوريث في بني
أميه بما حدد فرص اى فصيل للوصول الحكم إلا عن طريق الطعن في دين أو نسب الفرقة
الحاكمة وهو ما حدث مع المتشيعين لآل البيت بالحكم الذين كانوا يمثلون قوي
المعارضة السياسية لنظام الحكم القائم من خلال دعواهم بإستحقاق الخلافة لعلي فقط كرم الله وجهه وللحكم
والولاية في ذريته من بعده.
ويمكن الجزم أن هذا الفكر قد تأثر كثيرا بفكرة تسييس
الدين و تبعات الصراع العرقي الذي كان دائراً في ذلك الوقت حيث اعتبر الشيعة أن
الخليفة يجب أن يكون من النسب العلوي و اعتبروا ذلك فرض كفاية و لهذا بدأ صراع
الأنساب و اشتد من الجانب الأموي و العباسي من بعدهم حتى حدث أن إنقسم الشيعة علي أنفسهم
بين الزيدية والإمامية. ولكن تبقي الحقيقة أن الإنقسام الذي حدث بين جماعة أهل
السنة وجماعة المتشيعيين لآل البيت قد بدأ في الأساس كخلافاً سياسياً و فكرياً بين
جماعتين يدين كلاهما بالأسلام وتضم كلا منهما فصيل من صحابة رسول الله صلي الله
عليه وسلم يشهد لهم الجميع بالتقوي والورع والثقل الديني إلا أن هذا الصراع
السياسي قد أخذ منحني الإنقسام الديني المذهبي فقط عندما بدأ الناس في الإنقسام
والتشيع لطائفة ضد طائفة لتتحول الفكرة إلي عقيدة مذهبية تخرج بدائرة الصراع من
حكم الدولة إلي حكم الجماعة أو الفرقة أو الطائفة وسنسرد فصلا كاملا لتوضيح هذا
التحول الذي نشأ عنه فكر الجماعات الإسلاميه فيما بعد.
وقد كانت نتائج هذا الإنقسام وخيمة على الأمة الإسلامية بما
أحدثه من تفرقة طائفية أدت إلى إنقسام المسلمين علي مذهبين سني وشيعي ومن ثم
إنقسام كل مذهب بعد ذلك إلي العشرات من الطوائف بعضها أخذ الصبغة الدينية المسالمة
والآخر أخذ الصبغة الجهادية الإستشهادية ولكن الأخطر كان في الطوائف أو الجماعات
التي تسترت بالطابع الدعوي وجهزت داخلها فرق إستشهادية وهذه كانت هي الطامة الكبري
حيث إنتشرت هذه الجماعات بين صفوف العامة بصفتها جماعات دينية دعوية ولكن أهدافها
كانت سياسية خالصة بحيث أنها كانت تحث أتباعها علي الشهادة في سبيل إعلاء حكم
الجماعة بعد أن كانت الشهادة في سبيل إعلاء الدين ونصرته لتبدأ حقبة من العنف
والإرهاب الذي إصطبغ بشكل الدين بينما ظل جوهره سياسيا يهدف فقط إلي تمكين وتغليب
حكم الجماعة علي من دونها من جماعات المسلمين.
ولكن أخطر ما نشأ عن هذا الإنقسام الطائفي بين جماعات
المسلمين كان في إهتزاز ثقة عامة المسلمين
في علمائهم وإختلافهم حول فكرهم وصحة فتواهم وسلامة نواياهم ، حيث تجمع الناس حول
العلماء الذين كان لهم الغلبة السلطوية ورفضوا كل من كان له أفكار تحررية تتماشي
مع سماحة الإسلام وتسامحه لمجرد أن فكره كان مناهضا للحاكم أو مستهدفا لفكر علماء
الجماعة بغض النظر عن صحة أو خطأ أيا منهم لإن التبعية أصبحت للجماعة ومن توليه من
علمائها الذين يدينون بالولاء لأميرهم بغض النظر عن علمه وتفقهه في الدين.
و قد كان هذا الأمر مستغرباً جدا من جماعة تدعي علي نفسها
أنها جماعة المسلمين أيا كانت عقيدتهم أو مذهبهم ، لإن هذا الفكر يتعارض شكلا
ومضمونا مع أصل الشريعة ومنهج الدعوة الإسلاميه حيث أنه من المفترض أن عالم الدين
هو شخصية مستقلة تخرج علي الناس فقط بما ينصه ويقره الشرع و لا يتأثر بعرف أو
سياسة أو فكر جماعة حتي ولو كانت الجماعة هذه هي الجماعة الحاكمة ، ولكن هذا
التسييس جعل الكثير من العلماء كالألعوبة في ايدى الخلفاء بما جعلهم تابعين لقراراتهم
السياسية بحيث أصبح كل من يجاهر بمعارضته لهذا الفكر السقيم عرضه للكثير من
المصاعب التي وصلت إلي حد السجن و الحبس و التعذيب .
هذا هو ما حدث مع الإمام الشافعي و الإمام بن حنبل و غيرهم
ممن تمسكوا باستقلالية العلماء ، كما حدث أيضا مع القاضي احمد بن رقابة و مثله كثيرين ممن
تمسكوا بأراءهم و أفكارهم و عرضوها بحرية أمام الحكام دون اى حرج فكان مصيرهم
السجن والتعذيب أو في أضعف الأيمان .... النفي.
و من اشهر القصص التي وردت في الصراع بين الحكام وعلماء
الدين في مصر قصة احمد بن طولون أثناء صراعه مع الخليفة الموفق في سعيه للاستقلال
بملك مصر، فإذا بإبن طولون يسعي لإستخراج الفتاوى من العلماء ببطلان دعوى الموفق
في توليه الحكم ويعلن نفسه حاميا للخليفة المعتمد المغلوب على أمره . وعندما رفض القاضي بكربن قتيبة - و كان من اكبر فقهاء
العصر في ذلك الوقت - الإذعان لدعوي أحمد بن طولون كان مصيره مثل مصير كل من سبقوه
أن ألقي به في السجن حتي أواخر أيام حكم بن طولون الذي شعر بالندم على ما إقترف في
حق الشيخ الجليل الذي دعي بدعوة الحق فقام بالإفراج عنه و طلب منه السماح و لكن
القاضي رد عليه و قال: ((شيخ فان عليل مدنف و الملتقى قريب و القاضي هو الله عز و
جل )) و يقال أن أثر هذه العبارة كان شديدا على نفس بن طولون حتي انه أغشى عليه
عند سماعها.
ويمكن الجزم بأن فكرة الخليفة المطاع بموجب الشرع الديني قد
برزت علي وجه العموم أثناء الخلافات الإسلامية المتعاقبة والتي بدأت بعد إنتهاء
عصر الخلفاء الراشدين وبداية من عصر الخلافة الأموية التي إستهلت وأقرت وعززت فكر
توريث الحكم في جماعة بعينها وهو ما ولد فكرة أن الاعتراض علي الخليفة المؤيد من
قبل الشرع والدين وشيوخ الأمه - الذين هم بطبيعة الحال شيوخ الجماعة التي تدين
بالولاء للخليفة الحاكم - كان يعتبر خلاف مع الشرع و الدين وخروج علي الجماعة وهي الفكرة
التي أستمرت في معظم البلدان العربية والإسلامية حتى وقتنا هذا لنجد أن الجماعات
الشيعية قد تبنت نفس الفكرة عندما بدأت في إنتهاج فقه الولاية تماما كما فعلت أيضا
الفرق السلفية التي خرجت من تحت عباءة المذهب السني حيث إنتهجت نفس الطريق بالدعوة
إلي التسليم المطلق والولاء والسمع والطاعة لأمير الجماعة أو مرشدها أو حاكمها. ولكن
الحقيقة أن كلاهما سواء جماعة الشيعة أو جماعة أهل السنة قد تشابها في التطبيق وإن
إختلفا في الفكر والمذهب ومرجعية العقيدة . وصدق الله العظيم عندما قال : ﴿ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى
ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
وتعويلا علي ماسبق توضيحه ، فإن فكرة تديين السياسة التي
بدأت منذ قدم التاريخ ورأيناها واضحة وضوح الشمس في فترات الحكم الفرعوني لمصر
وحتي في عصور البطالمة من بعدهم لم تكن بدعة في الحكم حيث أن فكرة إستخدام الدين
كمحرك للشعوب هي من فطرة الخلق التي جبل عليها الإنسان منذ الخليقه بعد أن أعطاه
الله نعمة العقل ليتدبر في أمر الخلق من حوله ويحاول أن يجد مرجعية لكل أمور حياته
ومعيشته والتي لم تكن أبدا إلا المرجعية العقائدية التي يجتمع عليها البشر سواء من
كان منهم علي ديانات التوحيد أو من كانوا حتي علي الديانات الوثنية ، إلا أن البشر
جميعا فطروا علي أن يقبلوا ما تحكم به كهنة عقيدتهم ضد ما تحكم به سياسات حكامهم .
لهذا عمد كل من رغب أو تولي الحكم لأن يعطي سياساته المرجعية الدينية أو
اللادينية حتي يصبح في مأمن من إنقلاب شعبه عليه. أما من لم يستطيع تديين السياسة
لبعده عن سدة الحكم أو لعدم وجود الدعم البشري الكافي لسياساته فقد عمد إلي تسييس
الدين حتي يعطي الأفضلية لمذهبه العقائدي فيتمكن من أن يحشد الأتباع بالقدر الذي
يؤهله لدخول المعترك السياسي ولكن في النهاية يتساوي الأمران لإن كلا منهما لم ولن
يهدف أبدا إلي إعلاء صوت الدين بقدر ما كان ولا يزال يهدف إلي تحقيق المكاسب
السياسية التي تساعده علي فرض عقيدته ومذهبه وحشد الأتباع والأنصار حتي يتم لهم
التمكين في الأرض ..... ألا لعنة الله علي مسيسين الدين ...... ألا لعنة الله علي
مدينيين السياسة.
No comments:
Post a Comment