Sunday, December 15, 2013

جمهورية الخرفان - الفصل الثالث - إنقسام .... أم ... ردة

كان أول من إبتدع لقب « الجماعة » هم الاُمويّون أثناء صراعهم مع العلويين وذلك عندما أطلقوا على العام الذي تمّ فيه التسليم بالحكم لمعاوية وانفراده به عام الجماعة..... ولكنهم لم يكونوا يقصدون أبداً جماعة المسلمين الذين هم أمرهم شوري بينهم بل كان المقصد الجماعة التي تأسّست على الغَلَبة ولصالح الفئة الحاكمة والتي لاينازعها أحد في ملكها أو في حق توريث هذا الحكم و إستخلافه إلا لمن أرتضوه هم حاكما عليهم.
وقد بقي الانتماء لمدلول الجماعة رهناً بطاعة الحاكم والانصياع لأمره حتّي ولو كان باطلا، حيث إعتبر أن الحاكم هو من إرتضته الجماعه أميرا لها ونصبته حاكما شرعيا عليها بحيث يصبح كل من تمرّد على الحاكم في إحياء سنّة أماتها أو إطفاء بدعة أحياها خارج على الطاعة مفارق  « للجماعة » مستحقّ للعقاب النازل على المفسدين في الأرض بحكم شيوخ الجماعة من الذين إرتضوا هذا الفكر وسخروا فتواهم لدعم وتعضيد هذا الفكر الأعوج مهما كان قدر وعلم من يعارضه.
ويكفي أن نعلم أن الصحابي الجليل حُجر بن عديّ الذي كان ينكر على المغيرة وزياد سبَّهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه ، وأنهم كلّما تمادوا في ذلك صعّد هو من إنكاره ، فما كان من زياد إلا أن كتب لحاكم الجماعة "معاوية" يطعن في ولاء حُجر وأصحابه ومخالفتهم لفكر « الجماعة » من لعن المخالفين لحكم الجماعة الخارجين على الولاة بما يجعلهم في حكم الخارجين من الطاعة. فما كان من "معاوية"  إلا أن أمر بقتلهم وهو يحتج بقوله : (( إنّي رأيتُ قتلهم صلاحاً للاُمّة ، وأنّ بقاءهم فساد للاُمّة))،  ليصبح قتل صحابي من أصحاب الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم صلاحا للأمه وإبقاؤه علي قيد الحياة هو مفسدة للأمة بأمر حاكم الجماعة وبمباركة شيوخ وعلماء الجماعة و بتصديق ومؤازرة من تبعهم من الذين تم السيطرة علي عقولهم فأصبحوا لايصدقون إلا مايقوله علماء الجماعة ولايرون إلا مايريهم أمير الجماعة ولايعلمون من الدين إلا ماتقره جماعتهم.
هكذا بدأ فكر الجماعة بحاكم طامح لإعادة أمجاد قبيلته بني أمية وتمكينهم من الحكم بعد أن أفقدهم الإسلام هذا الجاه بل وخرج من يدعي بأحقية بني هاشم في الإستئثار بالحكم ، فلم يرضي إلا أن يزيح من طريقه كل من ينازعه مجد قبيلته و يجمع حوله بعض من تفقهوا في الدين ليسخروا علمهم وفتواهم في إثبات أحقيته في الحكم ليقوم بعدها بتجييش التابعين الذين تم حشو أدمغتهم بهذا الفكر العنصري ليسيروا كما القطيع حسبما تشير إليهم عصا الأمير وهو يريهم الهلاك بصورة الشهادة ويريهم القتل بصورة القصاص ويريهم الإختلاف بصورة الخلاف. ويكفي أن نعرف أنه عندما قتل عمار بن ياسر وهو من قال عنه رسول الله صلي الله عليه وسلم : (( ويحك إبن سميه، تقتلك الفئة الباغية )) ، فإذا بالناس تخرج علي معاوية وتنعت جماعته بالفئة الباغية فماكان من معاوية إلا أن رد عليهم القول بأن من قتله هم من أخرجوه للقتال ..... والعجيب أن الناس قد قنعوا بمقولته وإستمروا في حربهم وكأنهم كانوا فقط يريدون عذرا أيا كان لكي يعموا قلوبهم ويغيبوا عقولهم.
هل لهذه الدرجة يضل الناس في تبعيتهم الفكرية ؟ هل لهذه الدرجة يفقد الناس قدرتهم علي الإستبصار بحقائق الأمور عندما يتم حشرهم داخل جماعة وإقناعهم أن هذه الجماعة فقط هي من تملك صحيح الدين وأن دونها الباطل؟ هل لهذه الدرجة يمكن تغييب عقول الناس إذا ما قنعوا أن عقيدة جماعتهم هي كل دينهم؟
لقد بقي فكر الجماعة حتي يومنا هذا لايخرج أبدا عن هذا الفكر العنصري مهما تخفي تحت عباءة الفكر الدعوي والمطالبات الإصلاحية والمظاهر التسامحية ، إلا أنه هكذا بدأ فكرا عنصريا لا يصدق إلا في عقيدته يرحب بكل من يتفق معه من مسلمين أو مسيحين أو يهود أو حتي كفاراً أو مجوسيين ويدخل كل من يختلف معه في طائفة الخارجين عليه المطرودين من رحمته الملعونين من الدين.
هكذا قُلب الدين رأساً علي عقب حين جُرِّدت كلمة « الأمير» من كلّ مقوّماتها وضوابطها الشرعية التي بها نعت عمر بن الخطاب كأميرا للمؤمنين لتصبح بفعل جماعة المسلمين فيما بعد لقباً من نظير «الفرعون» و «النمرود» و «القيصر» و «كسرى» وغيرها من الألقاب التي أطلقتها الأمم علي حكامها. بل هكذا جردت كلمة الجماعة من معناها اللغوي التي تعني إجماع الأمة لتصير مرادفا للغلبة من أتباع الحاكم ، ولنجد الجمع من الصحابة والتابعين بل و أهل بيت الرسول صلي الله عليه وسلم يتم إعتبارهم من المفسدين في الأرض إن هموا خرجوا علي الحاكم الذي ولي نفسه علي جماعتة ، ورفضوا عقيدة وفكر « الجماعة » حتي أصبحوا من الساعين إلي الفتنة مستحقي القتل، لتبقي الجماعة رهناً بطاعة « الخليفة » دون النظر إلى طريقة استخلافه أو صلاح فكره أو إستواء حكمه وبغض النظر عن رأي علماء الأمة طالما كان رأي علماء الجماعة يقر حكم أمير الجماعة ويثبته.
عندما خطب الوليد بن عبد الملك يوم مبايعته بالخلافة قال : ((أيّها الناس ، عليكم بالطاعة ، ولزوم الجماعة ، فإنّ الشيطان مع الواحد ! أيّها الناس من أبدى لنا ذات نفسه ضربنا الذي فيه عيناه ، ومن سكت مات بدائه)) لقد لخص الوليد فلسفة الجماعة في كلمة واحدة " الطاعة " ...... فقط الطاعة ولا شئ أخر ، فمن لزم الطاعة فقد أصبح واحدا من الذين أطلقوا علي أنفسهم لقب الجماعة يأمن بجوارهم ويفزع بتركهم. و هذا هو الفكر والعقيدة التي ظلت باقية حتي يومنا هذا تميّز أهل أي جماعة دينية أو سياسية أو فكرية أو عقائدية لتجعل ولائهم فقط لجماعتهم وحاكمها قبل الوطن ومؤسساته وسيادة دولته.
وفي المقابل ظهرت جماعة أخري دانت بالولاء لآل بيت الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم وتشيعوا لسلالته التي بقيت في أبناء علي بن أبي طالب من بعده وهم من أطلق عليهم لقب الرافضة لقيامهم بشق عصا الجماعة حسب مفهومها الأموي وطالبت بالحكم في آل البيت ودار بينها وبين حكام بني أميه الحروب الكثيرة والتي إنتهت جميعها بقتل آل البيت وبقاء حكم بني أميه ليستقيم حكم الجماعة ضد مطالبة الرافضة بالحكم وهو مايثبت ولا يدع معه مجال للشك أن تديين السياسة كان هو الهدف الذي يسعي إليه كلا الطرفين بغض النظر عن صحة أو خطأ دعوي كليهما . وليصبح هذا الفكر هو الإرث الملعون الذي توارثه أحفاد الجماعتين ليخرجوا علينا ببضع وسبعين فرقة كما أخبرنا الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم. ولتري كل فرقه نفسها علي الصواب بينما تري كل من يخالفها علي الباطل وليكون لكل فرقه أميرهم الذي يأتمرون بأمره ولايرون إلا مايري وليثبتوا جميعا قول الحق : ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً فَاسِقِين﴾. 
عندما بدأت الردة عن الإسلام بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم ، وجاء المرتدون إلي الخليفة الأول أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه يرتضون من دينهم مايرتضونه إلا أن يدفعوا الزكاة وكان رأي جماعة المسلمين وقتها أن يتم المهادنة معهم حتي يفرغوا من قتال الفرس ثم يرجعون عليهم ليعيدهم إلي الصواب ، فقد فاجأ أبو بكر جماعة المسلمين بقولته التي زلزلتهم وجعلتهم كلهم يرجعون عن رأيهم ويوافقونه علي قراره بحربهم ولو في عقال عنزة.
لقد أبصر أبو بكر رضي الله عنه ما لم يبصره عموم المسلمين جميعا عندما أخبر عمر أن الجزيرة العربية جميعها لم ترتد عن الإسلام إلي عبادة الأوثان وهي الأقرب إلي الردة حيث أنهم كانوا علي عهد قريب منها ويملكون من الدوافع مايجعلهم يعودون إلي عبادة ما كانوا يعبدون هم وأبائهم الأولون بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم. إلا أن العرب إرتدوا عن إتباع كل الدين إلي مايرتضونه هم من بعض الدين ...... لقد رأي أبو بكر أن الردة لم تعد في عموم الدين الذي حفظه العزيز القدير وحفظ في أمة محمد حتي بعد موته ، ولكن الردة قد أصبحت في بعض الدين كل حسب رؤيته وقدرته علي إقناع من حوله وتفسيره لأحكام الدين.
لقد لخص آبو بكر رضي الله عنه أمر ردة المسلمين التي نحن عليها حتي الآن في جملة واحدة وهو يخاطب عمر الذي كان يحاول أن يثنيه عن قراره لكي يأخذهم باللين فقال له: (( رجوت نصرتك وجئتني بخذلانك ؟ أجبار في الجاهلية وخوار في الإِسلام ؟ إنه قد انقطع الوحي، وتمَ الدين، أوَ ينقص وأنا حي ))
لقد تبين للصديق أن الردة في بعض الدين لهي أعظم من الردة في عموم الدين وأنه لو تركهم يأخذون من الدين بعضه لفتح بابا علي الإسلام لن يستطيع أحد درئه. ووالله الذي لا إله إلا هو أنه لصادق.... ووالله الذي لا إله إلا هو إنه لهو الصديق ، وها نحن الآن نعيش عصر الردة الجزئية لمفهوم الدين ليؤخذ منه ويترك ويعمل ببعض الدين ويكفر ببعضه الآخر ونحن بين هذا وذاك لانستطيع لها درئا ..... لله درك يا خليفة رسول الله.
نعم إنها الردة التي بدأها بعض من أدعوا النبوة من أمثال مسلمة بن حبيب أبن حرب أو "مسيلمة الكذاب" كما أطلق عليه رسول الله صلي الله عليه وسلم عندما أرسل له رسالة يقول فيها : ((من مسلمة رسول الله إلى محمد رسول الله: آلا إنى أوتيت الامر معك فلك نصف الأرض ولي نصفها ولكن قريش قوماً يظلمون)) . فرد عليه الرسول صلي الله عليه وسلم الرساله وجاء فيها: ((من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من أتبع الهدى، أما بعد، ......... ﴿إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
وأيضا كان هناك طليحة بن خويلد الأسدي ممن إرتدوا بعد وفاة النبي صلي الله عليه وسلم حيث إدّعى النبوة في قومه بني أسد وتبعه بعض من قبائل طيء وغطفان في أرض نجد، إلا أنه هزم مع أتباعه على يد خالد بن الوليد في معركة بزاخة ودخل الإسلام على إثر ذلك. والعجيب في الأمر أنه بعد أن أسلم وأحسن إسلامه ، فقد شهد القتال مع خالد بن الوليد، فإذا بأبو بكر الصديق يكتب إلى خالد ان استشره في الحرب ولا تؤمره، وهذا من فقه الصديق حيث فطن أنه ما إدعي النبوة إلا حباً في الزعامة ، فماكان منه إلا أن أعطاه بعضا مما يحب ولكنه لم يفرط فيما وجب عليه من إتمام الدين.
أما عبهلة بن كعب بن غوث العنسي المذحجي المعروف باسم "الأسود" و"ذي الخمار" فقد إدعي النبوة في حياة الرسول الكريم وقاتل معاذ بن جبل وهو من أعمله الرسول صلي الله عليه وسلم علي اليمن والذي قام بالهرب واللجوء إلي "بني السكون" أحد بطون كندة لإنه كان متزوجا منهم. وقد إستولي الأسود علي كلا من صنعاء ونجران وحضرموت و الإحساء حيث تبعته بعض قبائل اليمن لتعصب فيهم إذ أنها رأت في الزكاة أتاوة يدفعونها لقريش. وقد تم قتل العنسي علي يد فيروز اليمني بعد أن أرسل الرسول صلي الله عليه وسلم إلي قبائل المسلمين في اليمن يطلب منهم مقاتلة العنسي بعد أن إستشري شره وأصبح يشكل تهديدا للدولة الإسلامية فقام فيروز بالإتفاق مع زوجة الأسود -إزاد الفارسية -  والتي كانت له سبية وهي من قامت بسقيه الخمر حتي ذهب في سكرته ودخل عليه فيروز وقتله لينهي بهذا أول ردة في الإسلام في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم.
وفي عمان ظهر لقيط بن مالك الأزدي، وإستطاع أن يستولي عليها من أمرائها الذين إستغاثوا بأبي بكر الصديق فأرسل له جيش عكرمة بن أبي الحكم ليقضي عليه ويعيد قومه إلي الإسلام وليرتضوا الزكاة التي حاولوا تحت إمرة نبيهم الكذاب أن يمتنعوا عنها.
أما البحرين فقد كان يقطنها كلا من بنو عبد القيس وبنو بكر وقد إرتدوا بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم عندما قالوا لو كان رسولا ما مات، فثبتهم الله بالجارود وهو من سادة بنو عبد القيس الذي سألهم عن الرسل والإنبياء الذين أرسلهم الله من قبل ، إن كانوا قد أخبروهم أم أنهم رأوهم رؤي العين فقالوا : بل خبرناهم ولم نراهم فسألهم : فأين هم الآن فأجابوه أنهم قد ماتوا ، فعندها ثبتهم بقوله أن الرسل يموتون ولكن الدين لا يموت فثبتوا علي الإيمان وعادوا عن ردتهم بل وخرجوا مع المسلمين بعد ذلك في حروبهم وأبلوا في ذلك بلاء حسنا.
ومن العراق أتت سجاح بنت الحارث بن سويد بن غفقان التميمية المسيحية التي أدعت النبوة بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم بما كان لها من العلم أخذته من ثقافتها العراقية المسيحية في وقتها. وقد تبعها جمع من عشيرتها من كبار بني تميم حيث بلغت بها الجرأة وسوء تقدير الأوضاع أنها قد أقنعت أتباعها بالتوجه إلي الحجاز لغزو مكة والإستيلاء علي الخلافة من أبو بكر وأتباعه. ولكن من المفارقات أنها في أثناء سيرها عرجت علي مسيلمة الكذاب حيث تزوجته وإنضمت تحت لوائه وبعد هزيمته وقتله علي يد جيش المسلمين تابت وأسلمت وصلح إسلامها حتي ماتت في البصرة.
والجدير بالذكر أن الردة التي حدثت بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم كانت كثيرة وإنتشرت بين معظم قبائل العرب وخاصة تلك التي بعدت عن مركز الحكم الإسلامي وقتها في المدينة وأن معظمها قد نشأ تحت إمرة من أدعوا النبوة الذين عملوا علي تجميع الناس من حولهم من خلال تبسيط الدين وإعطاء الرخص لما تم تحريمه من قبل كأباحة الربا مثلا أو أن يتم تقنين الزنا أو تحليل شرب الخمر حتي أن مسيلمة الكذاب عندما خرج علي أتباعه فقد قام بإسقاط صلاة العشاء والفجر عن المسلمين للتخفيف عليهم.
لهذا كان إجتماع الناس علي هؤلاء المدعيين هو إجماع علي الرغبة في تخفيف بعض الدين أو للحصول علي رخصة فيما إشتهته أنفسهم ومنعهم الدين عنه أو كان نصرة لشخص عذب الكلام ألحن اللسان طامح في الحكم وبنصرته يصبح محكوم اليوم في سدة الحكم غدا ، وأغلب الظن أن الأخيرة كانت ولازالت هي المحرك الرئيسي لكل من سار أو يسير أو سيسير في هذا الدرب وكل من جعل من الدين غطاء لجمع الناس حول فكر أو عقيدة فردية لتكوين جماعة مذهبية طائفية تعتنق فكر أميرهم وتعمل بأمره وتسير علي نهجه حتي يتم تجييش الحشود ممن إقتنعوا بهذا الفكر المغلف بطابعه الديني ولكن باطنه ملئ بصراعات سياسية ورغبات سلطوية وخطط إستحكامية وجميعها لا يهدف إلا لنشر فكرهم الذي لايرون إلا صحيحه وبالتالي جمع أكبر قدر من الأنصار والمؤيدين لهذا الفكر تحت ستار الدين ليصبح من يعادي هذا الفكر معاديا للدين ومعاديا بالتبعية لله و لرسوله فيجوز محاربته وقتله وإستباحته حتي يتم التمكين لهم ولجماعتهم ولعقيدتهم المذهبية إلي أن يستطيعون أن يحكموا بما أنزله عليهم مرشدهم  وأمير جماعتهم من تفسيرات عوراء لصحيح الدين تجعل كل من يرفض فكرهم خارج علي جماعتهم و بالتبعية من الخارجين علي عموم الدين الذي نصبوا أنفسهم حماة له فيصبح القتل هو جزاء من خرج علي جماعتهم في حين يبيح لهم نفس هذا الفكر الأعور الخروج علي الحاكم الشرعي جهادا في سبيل عقيدتهم وهم علي قناعة أن جزاءهم ليس إلا النصر وتبعاته أو الشهادة وأجرها .... أي دين هذا ..!!
هكذا بدأت حركات التغيير في الإسلام في عهد الرسول صلي الله عليه وسلم ممن أرادوا مشاركته الرسالة والنبوة عندما رأوا أن النبوة هي أفضل الطرق للوصول إلي الحكم و إحكام السلطان و تحصيل الأموال و الفوز بالغلبة فما كان منهم إلا أن خرجوا علي الناس بدعواهم التي كان ظاهرها دعاوي التجديد الديني والإصلاح المجتمعي بكل ما تتضمنه من فتاوي وشروحات مذهبية تعطي الأفضلية دائما لمن تبع هذه العقيدة وتصورهم أنهم فقط علي الحق وأن نصرهم حق علي الله سبحانه إن هم نصروه فيكون لهم الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.
و لكن القارئ لسيرة هذه الجماعات سيجد أن معظم قادة هذه الجماعات قد قامت بتصوير بعض أشكال جناتهم المزعومة علي الأرض حيث يغدقون بالنعم علي من تبعهم في سبيل إقناعهم بعقيدتهم التي تثبتها رؤيتهم المادية لثمار جنتهم من رغد العيش ونعيمه الذي نراه يظهر علي كل من يتبع هذه العقائد كلا حسب درجة إنخراطه في الجماعة ومقدار تحمسه له حيث يكون الجزاء دائما مساويا أو يزيد لمقدار القناعة الفكرية المذهبية التي يبديها هؤلاء الأتباع وهو ما يتطلب للأسف مقداراً مساوياً من التغييب الفكري  بحيث أنه كلما زادت قدرتهم علي تغييب عقول أتباعهم ومحو كل ما تعلموه وتربوا عليه من أسس تربوية وعقائدية ودينية ومجتمعية ليستبدلوه فقط بفكر جماعتهم وأميرهم ومرشدهم الذي يمليه عليهم بل ويكافئهم به أيضا علي حسن أيمانهم بعقيدة الجماعة ليستحقوا حسن الجزاء في الدنيا بفرض نصيبا لهم من غنيمة الجماعة قبل أن يستحقوا حسن الجزاء في الأخرة إن صح أيمانهم وماتوا علي عقيدتهم العرجاء.
أما الإنقسام الذي حدث في الأرمنة اللاحقة بين الجماعة والرافضة فقد ظل محصوراً في كونه إطاراً سياسياً بين أتباع علي كرم الله وجهه وبين أتباع معاوية الذي كان يري أحقية الحكم في بني أميه وخاصة بعد أن تمت بيعته من بعض المسلمين بعد واقعة التحكيم المعروفة. إلا أن الفرقة والخلاف والإنقسام الحقيقي قد أخذ شكله العنصري الذي نحياه اليوم عندما تم تطبيع الصراع بشكله الديني البحت حيث أطلقت الجماعة علي نفسها أهل السنة وجعلت من الرافضه أهل البدعة. ويخبرنا إبن سيرين الذي توفي عام 110 هجرية عن أول ظهور لهذا التقسيم في حديثه الذي قال فيه ((كانوا لا يسألون عن الإسناد حتّى وقعت الفتنة ، فلمّا وقعت الفتنة سألوا عن الإسناد ، ليُحدَّث حديث أهل السنّة ويُترك حديث أهل البدعة)) . وهو الفضل الذي أعطته الجماعة لنفسها ولأتباعها بكونهم أهل السنة يحدثون بما رأوه وعلموه من أحاديث الرسول صلي الله عليه وسلم في حين جعلت غيرهم من الرافضة في مقام أهل البدعة فلايحدثون بحديثهم ولا يعتدون بإسنادهم.
وبهذا أعطت الجماعة نفسها حق الوصاية علي الدين وأصبحت هي المحافظة علي سنة الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم و شككت في المرجعية الدينية لكل من خالفها وبالتالي أسقطت عنه أحقيته في الولاية علي أمر المسلمين ، وهو ما كان بداية فكر تديين السياسة في الدولة الإسلامية بعد أن تحكم في رجالات الدولة النزعة القبلية وجعلوا من الحكم هدف بذاته يسعون إليه ويقدمون عليه أي مصلحة مهما علت بل وجعلوا من الدين وسيلة لديمومة حكمهم وهو الشر الذي أبتلينا به منذ أيام معاوية حتي يومنا هذا وندفع ثمنه يوما بعد يوم.
وبإنقسام الإسلام إلي مذهبين سياسيين في البداية بين جماعة أهل السنة المؤيدين إلي حكم معاوية وبين الرافضة المتشيعيين لآل البيت بدأت حقبة جديدة في تاريخ الطوائف الدينية التي كانت تجتمع علي عقيدتها تحت لواء أميرها أو وليها في حين أنها تظهر ولائها للحاكم حتي وإن إختلفوا علي أحقيته في الحكم ولكنه كان ولاء ضعف وإستكانة حتي يتم لهم التمكين في المحافظة علي جماعتهم وفكرهم وعقيدتهم وهو ما كان يمثل الهم الأكبر لكل جماعة حيث إنتهجوا فكر التقية الذي كان يعطيهم الحق في إظهار ما لا يبطنون خشية بطش حاكم أو خشية التنكيل بمذهبهم وأتباعه. لقد تحول الأمر بعد هذه الفتنة الكبري من غلبة المجتمع إلي غلبة الطائفة .. تحول من غلبة الوطن إلي غلبة الحدود اللاجغرافية لفكر الجماعة ......... لقد تحول الأمر للأسف من غلبة الدين الذي إرتضاه لنا العزيز الحكيم إلي غلبة  العقيدة المذهبية التي يرتضيها أمير الجماعة لإتباعه.
وحتي يمكن أن نعلم كيف بدأ هذا الإنقسام ، فإنه لابد لنا من معرفة قصة نشأة فكر الإنشقاق والخروج علي جماعة المسلمين التي بدأت في نهاية عصر ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه ، حيث بدأ الخوارج في ثورتهم بعد أن إنقسموا إلي ثلاث جماعات سميت جميعها بالخوارج كما أطلق عليهم جماعة أهل السنة فيما بعد إلا أنهم قبلوا بهذه التسمية ولم يجدوا فيها حرجا إذ أعتبروا أنفسهم خوارجا من الخروج علي الحكم الجائر أو الخروج في سبيل الله وهو ما أعتبروه تشريفا لدعوتهم ومذهبهم.
وقد بدأت الخوارج في ثلاث فرق هي :
1-     الأزارقةأتباع نافع بن الأزارق الحنفي ـ من بني حنيفة قوم مسيلمة الكذّاب ـ وهو صاحب الأسئلة المعروفة في غريب القرآن التي أجابه عليها ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. وقد دخل الأزارقة في حروب كثيرة مع الاُموييّن في البصرة وبلاد فارس دفاعا عن مذهبهم وعقيدتهم بعد أن توقفوا عن مساندة فكرة التشيع لأهل البيت ، حتّى فَنوا على يد المهلّب بن أبي صفرة في زمن عبدالملك بن مروان
2-     النجداتأصحاب نجدة بن عامر الحنفي ـ من قوم مسيلمة أيضاً ـ وقد تمكّنوا من الاستيلاء على البحرين وحضرموت واليمن والطائف في بداية صراعهم مع بني أمية إلا أنهم قد إختلفوا عن الأزارقة في فتوي التقيّة و  القعود عن القتال  حيث خالفت النجدات الأزارقة في جواز التقية وفي جواز القعود عن القتال . ولهذا سميت النجدات أيضا بالعاذرية لأنهم عذروا القاعد عن القتال لعذر وهو ما أباح لهم عدم وجوب نصب العداء للإمام إلا إذا اقتضت المصلحة  تمشّياً مع حالهم في التقية التي آمنوا بها . وقد تلاشت دعوتهم تلقائيا عندما توقفوا عن أمر القتال ودخلوا في زمرة الجماعة راضيين مستصغريين.
3-     الإباضيّةوهي الفرقة الباقية حتي اليوم من بين سائر فرقهم الاُخرى والمنتسبين إلي عبدالله بن إباض. ويجدر الإشارة إلي أنهم لم يستعملوا هذه التسمية في بادئ عهدهم بل كانوا يسمّون أنفسهم جماعة المسلمين أو أهل الدعوة ولم تظهر التسمية بالإباضية في مؤلّفاتهم إلا بعد ثلاثة قرون تقريباً.  أما مبادئهم التي ميّزتهم عن الفرقتين الأخرتين فكانت كما أعلنها ابو بلال مرداس بن حدير، وهو أحد المحكّمة الاُولى الذي انفصل عن المارقة في البصرة ، قائلاً : (( والله إنّ الصبر على هذا ـ يعني الظلم الاُموي ـ لعظيم .. وإنّ تجريد السيوف وإخافة السبيل لعظيم .. ولكنّنا ننتبذ عنهم ، ولا نجرّد سيفاً ، ولا نقاتل إلا مَن قاتَلنا)). وهذا هو المبدأ الذي ميّز هذه الطائفة عن غيرها من الخوارج بل يمكننا القول أن هذا المبدأ هو الذي حفظ لها وجودها وبقاءها في أشكالها المختلفة وطوائفها المتعددة إلي يومنا هذا عندما وضعت القتال وجعلت من بقائها في حد ذاته هدفا يفوق وصولها للحكم إلي حين.
وقد إنفردت الإباضية في وقتها بعقيدتها التي جعلت من القرأن مرجعا أساسيا لها ولمسند الربيع بن حبيب الأزدي البصري ، وهو ماكانوا يسمّونه « الجامع الصحيح » ويعتقدون بصحّة كلّ ما فيه سواء كان مسنداً أو مرسلاً ، حيث جعلوه أصحّ كتاب بعد القرآن. وقد كان هذا هو بداية الإنشقاق الفكري عند جماعة المسلمين حيث إتفقوا جميعا علي القرأن ككتاب منزل من عند العزيز القدير سبحانه ولكنهم جعلوا من تمام العقيدة التصديق في مسند الإحاديث يقبلون ما يقبلون منها ويرفضون ما يرفضون إن هم إختلفوا مع المسند.
ولهذا وجدنا جميع الطوائف التي خرجت فيما بعد سواء من تحت عباءة جماعة أهل السنة أو جماعة أهل البدعة كما أطلق عليهم ، قد جعلت المرجعية الفقهية قائمة فقط لبعض علمائها أو كتابها أو منظريها يحتكمون إليها عند الإختلاف ويرجحونها ضد أي فكر مناهض لفكرهم وهو ما جعل الدين كله فيما بعد يعتمد علي المرجعية الفقهيه و الرؤية الشخصية للأمير وعلي النواحي التفسيرية لأصول الدين وعلوم القرأن لكل جماعة كل حسب إجتهاده وعلمه وقدراته الفقهيه إذا كان من العالمين بأصول الدين أو حسب طموحاته السلطوية ونزعته السياسية إذا كان من المدعيين المتخفيين برداء الدين.
و الخوارج هي بطبيعة الحال إحدي الفرق الإسلامية التي نشأت في نهاية عهد الخليفة عثمان بن عفان وبداية عهد الخليفة علي بن أبي طالب، نتيجة الخلافات السياسية التي بدأت في عهد عثمان عندما قنع هؤلاء الخوارج بدعوة زعمائهم من أمثال عبد الله بن سبأ -الذي إختلف علي وجوده المؤرخين- الذين هاجموا عثمان بن عفان وأتهموه بمحاباة أهله وأقاربه وإغداقه عليهم في العطايا والمناصب والهبات. ولأن معظم هؤلاء الخوارج كانوا من القراء حفظة القرأن ، فقد لاقت دعواهم صدي في نفوس بعض الناس ليلتفوا حولهم وينقلبوا علي أمير المؤمنين ويحيطوا بمنزله بل ويخرجوا عليه حتي قتلوه ... وهم حملة كتاب الله وقراءه وحفظته .... !!!
نعم كان في عثمان رضي الله عنه وأرضاه نزعة قبلية وكان يري في صلة رحم قومه من قريش كرامة ولا يراها سبة بل أنه عندما لامه الإمام علي وأخبره أن الشيخين (يقصد أبو بكر وعمر رضي الله عنهما) كانا لايضعان أنفسهما موضع ريبة ولا يولون من أقاربهم درءا للشبهه ، فإذا بعثمان يدفع بمنطقه في أنهما ترك صلة رحمهما درءا للشبهه وتقربا لله سبحانه وأنه يصل رحمه تقربا لله ولا يري في ذلك شبهه.
نعم كان لعثمان رؤية خاصة عندما جمع لمعاوية حكم الشام وهو من ولاه عمرا قبل عثمان رضي الله عنهما ولكن بعد موت يزيد أخوه لمعاوية وكان واليا علي الأردن فإذا بعثمان يجمع لمعاوية الأردن مع الشام كما ضم له فلسطين بعد موت حاكمها عبد الرحمن بن علقمه ثم يقوم بعزل عمير بن سعد الأنصاري والي حمص ليضمها إلي ولاية معاوية فيعقد لمعاوية الأجناد الأربعة ويمكنه من أن يبسط ولايته علي بلاد الشام جميعا حتي أن الناس من حوله كانوا لايرونه واليا معينا من قبل أمير المؤمنين، بل كانوا يرونه ملكا متوجا علي بلاد الشام من شدة بسطته علي الحكم وطول ولايته التي إمتدت منذ عصر عمر إلي عصر عثمان والتي إمتدت إلي مايزيد عن عشرين سنه حتي نهاية عصر علي، ليقوم بإعلان نفسه خليفة المسلمين ويجعل من بلاد الشام حاضرة الإسلام وعاصمته.
نعم فرض عثمان علي دولة الإسلام ولاة من بني عصبته من قريش عندما ولي الوليد بن عقبه (أخوه من أمه) علي بلاد الكوفه بالرغم من رفض أهل الكوفه له وتعللهم بأن الوليد كان من المذمومين في عهد رسول الله و أنه قد نزل في ذمه قرانا . حيث غش الرسول وكذب عليه، وأنزل الله فيه قراناً ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينوالمقصود بالفاسق هنا هو الوليد كما أخبر علماء التفسير. وبالرغم من أن عثمان كان علي قناعه بمنطقه ولا يقبل كثيرا المراجعة من أحد إلا أنه عندما أقام أهل الكوفة الحجة علي الوليد بأنه يعاقر الخمر حتي أنهم قد سرقوا منه خاتمه أثناء سكرته ، فقد إستدعاه عثمان للمدينة بل وأقام عليه الحد والذي نفذه فيه الإمام علي رضي الله عنه وأرضاه.
وبعد عزله للوليد ، قام بتعيين سعيد بن العاص واليا علي الكوفة وهو ما تقبله أهل الكوفة ووجدوا فيه حكما صائبا ..... وهو ما يوضح أن عثمان لم يكن من المتشبسين بفكره وقناعته، أو كان ممن لا يسمعون ولكنه في حقيقة الأمر كان ممن يسمعون ولكن يسيرون وفق قناعتهم في تناول مسئولياتهم ....  وشتان بين هذا وذاك .  
إلا أن سعيد بن العاص قد أثار أهل الكوفه عليه عندما كان يتحدث إليهم في مجلسه ليخرج عليهم بقوله (( إنما السواد بستان لقريش )) وهو مايعني أن قريش قد سادت علي أرض العراق ، فيثور الناس علي سعيد وهو من أرتضوه من قبل ولكنهم ثاروا علي نزعته وقبليته ولم يرتضوها منه لإنهم لم يكونوا يرون فضلا لقريش عليهم ولا حتي بسبقهم إلي الإسلام.
ونعتقد إعتقادا يقينيا أن السبب الرئيسي في إشتعال هذه الثورة علي حكم عثمان يعود إلي التزامن الذي حدث بين أحداث الكوفه والأحداث التي حدثت في مصر عندما كافأ عثمان عبد الله بن أبي سرح - أخو عثمان في الرضاعة - والذي أبلي بلاء حسنا في فتوحاته الأفريقيه ، فما كان من عثمان إلا أن ولاه علي مصر  بعد عزل عمرو بن العاص وهو الأمر الذي رفضه أهل مصر ومشايخها وأرسلوا في ذلك الوفود إلي المدينة ليثنوا عثمان عن رأيه لإنهم قد علموا من أمر عبد الله أنه كان رجل سوء وأنه قد إرتد عن الإسلام وقد أهدر الرسول صلي الله عليه وسلم دمه يوم الفتح إلا أن عثمان قد شفع له عند الرسول ليعلن توبته وإسلامه.
ولكن عثمان لم يكن يري في أخيه جاهليته بل كان يري فيه إسلامه وفتوحاته التي حققها لنصرة الإسلام فثبته علي حكم مصر. ويذكر التاريخ أن عثمان قد كتب له ليترقق في معاملة أهل مصر ويتلطف بهم ، إلا أنه زاد في سطوته وقام بمعاقبة من إشتكوه لأمير المؤمنين ، وهو ما أدي بطبيعة الحال إلي إشتعال سخط الناس علي هذا الوالي المستبد الذي لم يكن يعرف للناس أقدراهم. وهو ما يمكن إعتباره نوعا أخر من القبلية الفكرية التي فصلت بين الوالي ورعيته تماما كما حدث بالكوفه مع إبن العاص ليجتمع الساخطين تحت لواء رفضهم لحكم عثمان الذي ولي عليهم من لا يعرفون للناس قدورهم ..... فكانت الثورة علي عثمان هي ثورة علي عودة القبلية وتحكمها في أركان الدولة قبل أن تكون ثورة علي نزاهة ونقاء سريرة عثمان التي لن ينال منها أبدا ثورة من ثاروا عليه.
ويثبت التاريخ والمؤرخون أن عثمان لم يكن مستبدا في حكمه وأنه كان يأخذ قومه باللين ، إلا أن التاريخ يثبت أيضا أن عثمان كانت له قناعته في إثبات الفضل للسابقين في الإسلام ولقومه من قريش ولعصبته من بني أميه وكان يري أن هذا من صميم الإسلام لإن الله قد خلقنا طبقات ودرجات وأنه لا ضير أبدا من إثبات الأفضلية لشخص علي شخص أو لقوم علي قوم ..... وهذه قناعته ومنهجه الذي كان يحكم به فجعل معظم الولاة علي الأمصار من بني قريش كما وأغدق في العطاء وتوزيع الأموال علي أهل قريش بصفة عامة وعلي بني أمية بصفة خاصة وهو ما دعي بعض كبار الصحابة للخروج علي عثمان مثلما أنكر عليه أبو ذر الغفاري سياساته الماليه وعطاياه الكبيره لإبن عمه مروان بن الحكم وأخاه الحارث حتي قام عثمان بنفيه من المدينة إلي الشام عند معاوية فماكان من أبو ذر إلا أن أنكر علي معاوية نفسه البذخ في الإسراف وفي تشييد القصور . ليقوم عثمان بنفيه مرة أخري إلي الربذه وهي محطة للقوافل تبعد عن المدينة حوالي 170 كيلو متر وفيها مات أبو ذر وحيدا كما أخبر الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم عندما قال: ((رحم الله ابي ذر ، يأتي وحيدا ، ويموت وحيدا ، ويبعث يوم القيامة وحيدا))
وكما رفض أبو ذر الغفاري سياسات عثمان ، رفض أيضا عمار بن ياسر من عثمان أمر توليته لأقاربه دون باقي المسلمين و أمر إطلاق يده في المخصصات المالية ليغدق بها علي من يشاء من قومه الأمر الذي إستقال بسببه عبدالله بن الأرقم من خزانة بيت مال المسلمين في المدينة وكذلك فعل عبد الله بن مسعود من بيت مال الكوفه إعتراضا علي سياسات عثمان المالية في توزيع أموال المسلمين علي أقاربه من بني أميه دون باقي المسلمين.
أما عمار فقد جاهر  برفضه لسياسات عثمان في أكثر من موضع حتي أنه قد إستثاره ذات مرة في جمع من الناس فأمر عثمان بضربه حتي أصيب بفتق وهو الشيخ الكبير ، فيخرج عمار علي الناس وهو يقول : (( والله ليست هذه أول مرة نصاب فيها )). وقد إعترض عمار وجاهر بمعارضته في أمر نفي أبو ذر الغفاري إلي الربذة ولام فيها عثمان بل وجاهر بذلك علي الملأ حتي أمر عثمان بأن يلحق عمار بأبي ذر ، فيعترضه الإمام عليّ في محاولة منه ليثنيه عن قراره ولكن عثمان هاج وثار حتي وكأنه كان سيأمر بنفي الإمام علي أيضا إلي الربذة ، ولكنه ما أن هدأ وعاد إلي طبيعته اللينه حتي رجع في قراره ولم ينفي عمارا ولا عليا.
أما طلحة بن عبيد الله فهو أحد أعلام المدينة وأغنيائها الذين كانوا في مجلس الشوري الذي كونه عمر قبل موته لإختيار من يحكم بعده ، إلا أنه كان في تجارته خارج المدينة وقتها وعندما عاد كان المجلس قد بايع عثمان في وقتها فإمتنع عن البيعة إلي حين ثم عاد وبايع عثمان بعد تدخل ومساعي عبد الرحمن بن عوف وهم من كان يربطهم ثلاثتهم أعمال وتجارة. ولكن التاريخ يقول أن طلحة قد أنكر علي عثمان سياساته بل أنه قد وصل إلي الحد أن شارك مع من حاصروا عثمان في منزله.
إذا لم يكن المسلمين راضيين عن سياسات عثمان وقد أنكر عليه ذلك العديد من الصحابة الذين يشهد لهم التاريخ بفضلهم وورعهم ومكانتهم في تاريخ الإسلام ومواقفهم المشهودة مع رسول الله صلي الله عليه وسلم كما يشهد تماما بفضل ومكانة عثمان وهو أحد المبشريين بالجنة. إلا أن كل هؤلاء الصحابة لم يخرجوا علي أمير المؤمنين بحد السلاح ولم يتجهوا إلي قتاله وقتله ولم يجعلوا إختلافهم مع سياسته خلافا فقهيا يستخدمونه للخروج علي الحاكم الذي ولي أمر المسلمين ببيعة المسلمين أنفسهم. لقد أدرك المسلمون وقتها أن عثمان كان يتصرف بناء علي قناعته التي سيتحمل هو وزرها إن أخطأ ولكنهم لم يستغلوا هذا الرفض كدافع وحافز لزحزحته عن ولايته لإنهم لم يكونوا دعاة حكم ولا سلطان . كان مبتغاهم أن يُحكَموا بعدل الله أي أن يكون عليهم حاكما يعدل فيهم لا أن يكون أحدهم هو الحاكم لكي يطبق عدل الله بنفسه، لذا كانوا يحاولون تقويم أميرهم ليحكم بينهم بالعدل. أما الخوارج ومن هم علي شاكلتهم ، فقد كانوا يريدون أن يحكموا هم بأنفسهم ، وأن يقوموا بتطبيق العدل كما يرونه وكما فهموه وهو ما لايكون إلا بيديهم حتي ولو أعملوا السلاح فيمن خالفهم ، كان الخوارج علي قناعة أن العدل لن يطبق إلا إن تولوا هم الحكم، كان الخوارج ولازالوا علي قناعة أن لهم كل الحق في الخروج علي الحاكم الذي ولاه المسلمون إن هم لم يرتضوا حكمه ولكن لا يحق لأحد أن يخرج علي فكرهم وعقيدتهم العرجاء إن هو أنكرها عليهم ، وهذا هو الفارق بين المسلمين والخوارج في أبسط صوره.
كان عموم المسلمين يطمحون إلي تحقيق العدالة في أي صورة من صورها بغض النظر عن من هو في سدة الحكم، لأن المسلم الحق لا يجعل أبدا من طموحه لتحقيق العدالة سببا ودافعا لأن يرفع السلاح في وجه ولاة المسلمين حتي وإن أنكر عليهم تصرفاتهم وسياساتهم ، المسلم الحق يرضي بما أرتضته الأمة ولا يجعل من دعواه سببا في زرع الفرقة بين المسلمين لإن الإختلاف مع الحاكم هو أمر بديهي مسلم به مهما كان عدله ومهما كانت مكانته ولكن هكذا هي النفس البشرية التي يسترعيها دائما أخطاء الآخريين  ولو صغرت وتنسي أخطائها مهما كبرت.
لقد روى الإمام البخاري في صحيحه عن الصحابي الجليل أبي سعيدٍ الخُدْري أنه قال: بينما نحن عند رسول الله وهو يقسم قسماً -أي يقسم مالاً-، إذ أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم، فقال: يا رسول الله اعدل! فقالويلك! ومن يعدل إذا لم أعدل، قد خبتُ وخسرتُ إن لم أكن أعدل. فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه. وقد أخبر الأمام البخاري في صحيحه عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أنه قال: إذا حدثتكم عن رسول الله حديثاً، فوالله لأن أَخِرّ من السماء أحبّ إليّ من أنْ أكذب عليه، وإني سمعت رسول الله يقول ((سيخرج قومٌ في آخر الزمان، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قَتْلِهِم أجراً لِمَنْ قَتَلَهم يوم القيامة)) . لقد أخبرنا رسول الله صلي الله عليه وسلم في حديثه هذا عن هؤلاء الخوارج الذين لم ولن يجدوا حرجا في الخروج علي أمير المؤمنين وخليفة رسول الله إن لم يرضهم حكمه كما خرج ذو الخويصره هذا علي رسول الله ليكون بذلك هو رأس الخوارج وإمامهم الذي سيسبقهم يوم الموقف العظيم.
إن الخوارج كانوا ولايزالوا لايرون من العدل إلا ما قاموا هم عليه وإستطاعوا أن يطبقوه بأيديهم ، كان ولازال الخوارج علي قناعتهم بأن ما فهموه من الدين هو فقط الصحيح وأن مادونه باطلا حتي ولو كان من يراجعهم علماء وفقهاء الأمة. هكذا هو فكر من خرج علي المسلمين أنفا ومن سيخرج عليهم اليوم أو غدا لا يقبلون إلا أن يكون لهم ما أرادوا وإلا فلتشهر السيوف وتزهق الأرواح ويعقد لواء الجهاد ....... وترفع رايات الشهادة في سبيل إعلاء دعواهم ضد المسلمين بطبيعة الحال.
ولكن يجب التوضيح هنا أن خطأ عثمان الأول كما يذكر بعض المؤرخين تمثل في أنه ترك الفتوحات ولم يشغل الناس بالجهاد كما أشار عليه عبد الله بن عامر عندما جمع عماله لبحث كيفية التعامل مع هذه الثورات.
منذ وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم إنشغل المسلمون بحربهم مع الفرس وحروب الردة أثناء عصر الخليفة أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه ، ثم إنشغلوا بفتوحاتهم لبلاد الفرس والروم في عصر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه ثم إنشغلوا في بدايات حكم عثمان بتثبيت أركان الدولة والفتوحات الأفريقية وهو ما شغل بال المسلمين عن إستدعاء نزعتهم البدوية القائمة علي التفاخر والتباهي بالأنساب، وهو ما حدث بعد أن توقفت الفتوحات بأن بدأت النزعة القبلية تتملك من المسلمين لتبدأ جولات من التفاخر بين بيوت قريش وبعضها البعض من جهه ، وقريش وبيوت العرب من جهه ، و العرب وبيوت الأمصار من جهه أخري .
أما خطأ عثمان الثاني والأهم فيتمثل في أنه لم يستطيع أن يوأد الفتنة في مهدها وأنه قد ترك من ثاروا عليه حتي تجمعوا من الكوفة ومصر والبصرة وحشدوا الحشود حتي جاؤوه إلي المدينة ليعتصموا بها بعد أن تم رفع سقف مطالباتهم من حدود عزل الولاة الذين لايرتضونهم إلي أن يقوم أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه وأرضاه بعزل نفسه وترك الأمر للمسلمين ليولوا عليهم من يشاؤون .
لقد تجاوز حلم عثمان مداه في أخذ من ثاروا عليه باللين حين لم يسمع لمطالبهم وهم لازالوا في أمصارهم وأصر علي قناعته ورؤيته ، ولكنهم عندما وصلوا إلي المدينة وحاصروه في بيته فقد إختلف الأمر لإن هؤلاء قد قدموا لخلع أمير المؤمنين الذي إجتمع علي ولايته وبايعته الأمة جميعا . إلا أن عثمان كان لايزال يري أن يأخذهم باللين وهو ما لم يجدي مع من قرروا الخروج عليه بل وإستباحة دمه وقتله في شهر حرام.
و لعلنا بعد هذه القراءة المتأنية في تاريخ نشأة الخوارج نستطيع أن نستوضح أن الخوارج في العموم تتصف بأنها من أشد الفرق دفاعا عن مذهبها وتعصبا لآرائها لإنهم غالبا من حفظة كتاب الله وهو ما يجعلهم يصدقون في فكرهم ولايقبلون بغيره فكرا ، بل يجعلهم يقفون خلف أرائهم في مناهضة حكم أمراء المسلمين مثل عثمان وعلي ومن بعدهم معاوية ويرفضون إيقاف أنهار الدم بين المسلمين والإستماع إلي أصوات عقلاء وحكماء الأمة بمن فيهم عثمان نفسه وعليّ الذي كان يدافع عن عثمان هو وبنيه وأهله بل أنهم لم يستمعوا إلي صوت معاوية الذي كان ينادي بدم عثمان. فإن كانوا قد خرجوا علي عثمان ليولوا عليا ، فلماذا لم يستمعوا لعليّ وخرجوا عليه ؟ وإن كانوا قد قبلوا التحكيم فلماذا رفضوه بعد ذلك ؟ يبدو أن الهدف كان ولايزال هو الخروج علي الحاكم أيا كان حتي يكون لهم الحكم فيقيمون العدل حسبما يرونه حتي وإن ظلموا الأمة كلها في سبيل تحقيق عدلهم البالي.
لقد أصر الخوارج على الاختيار والبيعة في الحكم، ورأوا ضرورة محاسبة أمير المسلمين على كل صغيرة وكبيرة وأعطوا لأنفسهم الحق في المحاسبة والحكم بل والخروج علي الحاكم أيضا. كما رأت الخوارج عدم حاجة الأمة الإسلامية لخليفة في زمن السلم إن توقفت الفتوحات وهو ما يمكن إعتباره سببا مباشرا لقيام هذه الحركة التي هزت كيان الدولة الإسلامية عندما توقفت الفتوحات في عصر عثمان بن عفان فلم يجد الناس مايشغلهم عن قتال الأمم والممالك الأخري من حولهم إلا أن يدخلوا في إقتتال داخل الأمة نفسها وكأن الرغبة في الإقتتال أصبحت هي الهدف بذاته التي يخرج له الناس أيا كان الطرف الآخر الذي سيتم الإقتتال معه.
ولهذا نجد أن علي بن ابي طالب كرم الله وجهه قد وضع منهجا قويما في التعامل مع هذه الطائفة التي إرتضت الدم مقابل تمسكها بأفكارها ، وذلك عندما منح الخوارج أمانا مشروطا في قولته الشهيرة : (( .. إلا إن لكم عندي ثلاث خلال ما كنتم معنا : لن نمنعكم مساجد الله، ولا نمنعكم فينا ما كانت أيديكم مع أيدينا، ولا نقاتلكم حتى تقاتلونا )) رواه البيهقي وابن أبي شيبة .
وقد كان هذا العهد مشروطا بإلتزامهم جماعة المسلمين وكف أيديهم عنهم بالبغي والعدوان، أما إذا امتدت أيديهم إلى حرمات المسلمين فقد أوجب الإمام علي  كرم الله وجهه دفعهم وكف أذاهم عن المسلمين، وهذا هو ما حدث حين قتل الخوارج عبدالله بن خباب بن الأرت وبقروا بطن جاريته، فطالبهم الإمام علي كرم الله وحهه بقتلته فأبوا، وقالوا (( كلنا قتله وكلنا مستحل دمائكم ودمائهم )) ، فسل الإمام عليهم سيف الحق حتى أبادهم في موقعة النهروان.
والغريب في أمر هؤلاء الخوارج أنهم قد بايعوا الإمام عليّ بعد خروجهم علي عثمان وخرجوا معه في قتال معاوية الذي طالب بالحكم بعد أن رفع قميص عثمان ليبلوا بلاءاً حسنا في قتال جيش معاوية القادم من الشام وينزلوا به الهزيمة حتي طلب عمرو بن العاص من جنوده أن يرفعوا المصاحف علي أسنة سيوفهم طلبا لتحكيم القرأن قبل أن يفني جيش معاوية أمام جيش علي من الخوارج. 
أما موقف على بن أبى طالب كرم الله وجهه من هذا الطلب، فإن أكثر المؤرخين يذكرون أنه وقف منه موقف الحذر الحازم، حيث رأى من أول وهلة أن هذا الطلب إنما يقصد به إيقاع الفتنة، والفرقة بين جيشه من جهة وإعطاء الفرصة لجيش معاوية ليأخذ فترة يستعيد فيها قواه من جهة أخرى، وهو ما جعله يحذر أصحابه من مغبة قبول هذا الطلب والوقوع في شرك حيلة عمرو بن العاص وهو ما أيده بعض من أنصاره من أمثال الأشتر النخع الذي أشرف على إلحاق الهزيمة بجيش الشام، لولا منع على له عن مواصلة الحرب عندما قبل بدعوة التحكيم وأمر جنوده بإغماد سيوفهم.
ولكن يري أيضا بعض المؤرخين أن قسمًا كبيرًا من جيش علي -رضي الله عنه- قد أيدوا البدء في التحكيم وأبوا عليه إلا أن يرضي برأيهم في إيقاف الحرب وغمد السلاح. بل أنهم قد أبدوا موافقتهم عليه فورًا دون أن يستشيروا عليًّا كما يقول فله وزن، ووصل بهم الأمر إلى أن خرجوا علي عليًّا نفسه بقولهم أنهم سيفعلون معه إذا لم يوقف القتال ما فعلوا بعثمان أو سيدفعونه برمته إلى معاوية. وهؤلاء الذين خرجوا علي علياً – كما يقول بعض المؤرخين - كانوا من جماعة القراء حفظة كتاب الله الذين أعطوا الفضل لأنفسهم حتي أنهم قد نادوه باسمه لا بإمرة المؤمنين قائلين له: ((يا علىّ أجب القوم إلى كتاب الله إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتل ابن عفان، فوالله لنفعلنها إن لم تجب)) وكان أشدهم خروجًا عليه ومروقًا من الدين -كما يقول الشهرستاني- الأشعث بن قيس الكندي، وزيد بن حصين الطائي، ومسعر بن فدكي التميمي.
وقد اعتقد هؤلاء القراء أنهم الأعلم بأحكام الدين من عليّ وأتباعه وأن الدين يأمرهم بذلك دون أصحابهم، بل أنهم قد إقتنعوا أنهم هم الوصاة علي الدين وحماته من بغي علياً وأصحابه. ولهذا فما ينبغي لهم الإعراض عن قبوله واحتجوا بقوله تعالى: ﴿لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، فأرسلوا إلى أهل الشام طالبين منهم أن يبعثوا حكمًا من قبلهم علي أن يبعثوا هم أيضا حكمًا من قبلهم، وأن لا يحضر معهما إلا من لم يباشر القتال فمن رأوا الحق معه أطاعوه.
ولقد كان الأشعث الكندي واحدا من الذين كان لهم دورًا هاما في هذا النزاع فكان ممن يحبذ قبول التحكيم وكان يطمئن عليًا بأن الناس قد سرهم التحكيم،  حتي أن معظم المؤرخين قد شككوا في دوره في هذه الفتنة حين وصفه يحيي معمر بأنه كان من أكبر صنائع معاوية في هذا النزاع، كما يخبر الشهرستاني بأنه كان من أشد الخارجين على علىّ وأشدهم مروقًا من الدين، وأيضا نعته المسعودي بأنه هو من بدأ هذا الأمر -يعنى التحكيم- و هو من كان المانع لهم من قتال عدوهم حتى يفيئوا إلى أمر الله.
ولكن في العموم فإن المؤرخين من أهل السنة يجمعون أن علياً كرم الله وجه كان متشككا فقط في طلب التحكيم  وإن لم يرفضه وأنه قد قبله في حين كان جيشه منتصرا وفي طريقه لوأد هذه الفتنه إحتراما للقرأن الكريم الذي تم رفعه علي أسنة الرماح ونزولا علي رأي جماعة المسلمين من حوله وإلي رغبته الأكيده في حقن دماء المسلمين إن كان هناك سبيلا لذلك دون القتال.
وبالفعل توقف القتال و تم التفاهم على أن يمثل أبو موسى الأشعري عليا بن أبي طالب ويمثل عمرو بن العاص معاوية بن أبي سفيان، وحددوا موعداً للتحكيم وفي طريق عودتهم إلى العراق خرج إثنا عشرألف رجل من جيش عليّ يرفضون فكرة التحكيم بينه وبين معاوية بن أبي سفيان في النزاع حيث رأوا أن كتاب الله قد حكم في أمر هؤلاء البغاة (يقصدون معاوية وأنصاره) ومن ثم فلا يجوز تحكيم الرجال -عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري- فيما حكم فيه الله سبحانه، فأطلقوا صيحتهم التي أصبحت دعوة كل الفرق التي أتت من بعدهم وحكمت السيف في أمر المسلمين عندما قالوا (( لا حكم إلا لله)) وليتم تسميتهم من بعدها  "المُحَكِّمة"
إنهم "المُحَكِّمة" الذين لايرتضون إلا بحكم الله حكما ، ولكن أي حكم هذا الذي يرتضونه ؟
إنه الحكم الذي يرونه هم فقط أنه الصواب. إنه الحكم الذي يرتضونه هم فقط ويقنعون أنه هو حكم الله. ولما لا وهم حملة كتاب الله وحفظته . إنه حكم الله الذي إرتضوه هم حتي ولو لم يرتضيه خليفة المسلمين الذي بايعوه وحاربوا في سبيل إعلاء حكمه . إنه حكم الله الذي صدقوه هم فقط حتي وإن رأي الإمام عليّ غير ذلك.
إنه الحكم الذي جعلهم يرضون الخروج علي الإمام علي وما أدراكم من هو الإمام علي ؟
الإمام علي إبن عم رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي نام علي فراشه يوم هجرته ليفديه بروحه ونفسه ....
الإمام علي صهر رسول الله صلي الله عليه وسلم وزوج إبنته التي هي واحدة من خير نساء العالمين ....
الإمام علي والد الحسن والحسين أحفاد وأحباب وقرة عين رسول الله صلي الله عليه وسلم ....
الإمام علي الذي قال فيه رسول الله صلي الله عليه وسلم (( أنا مدينة العلم وعلي بابها )) ....
الإمام علي الذي كان عند رسول الله صلي الله عليه وسلم بمثابة هارون من موسي وهكذا ظلت مكانته عند خلفاء رسول الله من بعده حتي تولي أمر المسلمين وهو لها كارها.
عندما رفع "المُحَكِّمة" صيحتهم أن لا حكم إلا لله في وجه الإمام علي ، فإنهم قد أرسوا مبدأ الخروج علي جماعة المسلمين وقبول إراقة دماء المسلمين نظير الدعوة إلي تثبيت الحكم. لقد أرسي هؤلاء الخوارج بدعة سيتحملون وزرها ووزر كل من سيأتي بعدهم من الأمم ليسير علي نهجهم في فرض فهمه لأحكام الله علي الأمه وفي جواز رفع السلاح في وجه المسلمين إعلاء لصيحته بأن لا حكم إلا حكم الله فقط.
لقد قالها الإمام عليّ : (( إنها كلمة حق يراد بها باطل )) ، ولكن قولته لم تثنيهم عن غيهم بل أنه بعد اجتماع عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري وما قام به عمرو بن العاص من التحايل علي مقولة أبو موسي الأشعري ومانتج عنه من تضعيف شرعية عليّ في الحكم و تعزيز لموقف معاوية كما تخبرنا بعض روايات التاريخ، فقد ازداد المُحَكِّمة يقينا بسلامة موقفهم وعقيدتهم حتي طالبوا عليّا برفض التحكيم ونتائجة والتحلل من شروطها و النهوض لقتال معاوية ..... نعم .... لقد إنقلبوا مرة أخري هم أنفسهم علي التحكيم الذي طالما نادوا به .... !!
ولكن عليّا كرم الله وجهه رفض ذلك مرة أخري قائلا: (( ويحكم .. !! أبعد الرضا والعهد والميثاق أرجع؟ أبعد أن كتبناه ننقضه؟ إن هذا لا يحل ودونها الرقاب )) . ومن هنا انشق المُحَكِّمة عن عليّ، واختاروا لهم أميرا من الأزد وهو عبد الله بن وهب الراسبي ليخرج "المُحَكِّمة" علي عليّ كما خرجوا من قبل علي عثمان وكأن الخروج علي الحاكم هو جل همهم وعظيم شأنهم.
وقد إنتهي أمر التحكيم برجوع عليّ وأتباعه إلي العراق أميرا للمؤمنين ورجوع معاوية وأصحابه إلي الشام واليا عليها وهو ما يناقض في العموم الروايات القائلة بخلع عليا ومعاوية لإن جميع المؤرخين والعلماء قد أجمعوا علي أن معاوية لم يكن ينتوي الفوز بالخلافة وقتها ولكنه قد رفع راية الجهاد كولي لدم عثمان ومطالبا بقتلته. وقد قام الإمام علي كرم الله وجهه بقتال هؤلاء الخوارج في العام التالي من موقعة التحكيم فيما إشتهر بعد ذلك بموقعة النهروان والتي إستطاع فيها القضاء عليهم وتشتتيتهم حتي قاموا بإغتياله وهو يصلي الفجر في المحراب ولتكون أخر كلماته قبل لقاء الغفور الرحيم : (( فزت ورب الكعبة )).
إن فكر الخوارج في العموم يقوم علي مبدأ واحد هو الإحتكام إلي الله وتحكيم أوامره وهو مايبدو للعموم فكرا دينيا خالصا في ظاهره ولكنه كما قال الإمام علي كرم الله وجهه (( قولة حق يراد بها باطل )) حيث لايقبل الخوارج إلا حكم الله الذي يرتضونه هم فقط ويبدون إستعدادهم لكي يقاتلوا ويقتلوا في سبيل قناعتهم وتصميمهم علي إعلاء حكم الله كما يرونه هم فقط . ولكن الكارثة ..... المصيبة ...... اللعنة التي أصابت الأمة من هؤلاء الخوارج ومن تبعهم وسار علي سنتهم أنهم جميعا لايرون إلا صحيح فكرهم ولايقتنعون إلا بما عقلوه من كتاب الله مهما كانت الحجة التي يقيمها عليهم من عارضهم ومهما كان مقامه وعلمه.
ولهذا أجدني أعتقد أن هذا هو قمة الإنحراف الفكري والعقلي والإنساني عندما يقبل بعض البشر تغييب عقولهم ليجعلوا من الخروج علي الحاكم فرضا وأمرا شرعيا إن هم رفضوا حكمه ، بينما نجدهم في المقابل يرفضون أن يرفض الناس أفكارهم وعقيدتهم إن هي خالفت عقيدة الأمة.
ولكن للأسف فإن هذا الفكر البالي يجد صدي عجيب غريب بين عموم المسلمين وخاصة في هذا العصر الذي إنقسم فيه المسلمين إلي العديد من الفرق والنحل التي تري كل واحدة منها أنها هي فقط علي الحق ، فنجدهم وقد قنعوا فقط بما يمليه عليهم علماء جماعتهم وأمرائهم من وحدوية الفكر الذي لا يخدم إلا قضية جماعتهم وأهدافها التي رسمها أميرها مهما إختلفت هذه الجماعات في المذاهب والطوائف والثقافات، إلا أن جميع هذه الفرق قد إتفقت وتوافقت بل وتسير جميعها علي نفس الفلسفة ونفس المنهج في نشر فكر جماعتها والتي تمثلت في خطوات ثابته نراها رؤي العين عند الدعوة لأي فكر جديد:
1.      دعوي إصلاحية
2.      صبغة دينية
3.      تيسيرات عقائدية
4.      تحسينات معيشية
5.      منح مادية
6.      مناهضة إجتماعية
7.      مطالبات فئوية
8.      خطط تمكينية
9.      صراعات طائفية
10.  إنقسامات مجتمعية
وللأسف فإن جميع الفرق والنحل تنتهج هذا النهج حتي يتم لهم التمكين من فرض أفكارهم وتكون لهم المكانة المجتمعية التي يتم حيازتها بقوة الحكم أو بقوة الفوضي أو بقوة السلاح أو بقوة الإستنصار بالأتباع ولكنها جميعا قوة مستترة تحت غطاء الدين تهدف في النهاية إلي تفتيت المجتمع إلي طوائف صغيرة يسهل الإقتتال بينها.
هكذا بدأت الردة بعد موت الرسول صلي الله عليه وسلم ، وهكذا عادت في ثوبها الجديد أثناء الفتنة الكبري لتخرج من ثوب الردة إلي ثوب الخوارج الذين خرجوا علي ذي النورين عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ثم لتظهر في شكلها الإنقسامي النهائي بين جماعة أهل السنة ممن ناصروا بني أمية في حكمهم  وأهل البدعة المارقة ممن تشيعوا لآل بيت النبي صلي الله عليه وسلم لتبقي حتي يومنا هذا جماعات صغيرة تنبعث جميعا بنفس الفكر وتنادي كلا منها بدعواها هي فقط و تري كل من سواها علي خطأ ، ولكنهم جميعا شيعة كانوا أو وسنة يسيرون علي نفس المنهج وكأنهم قد تعلموا جميعهم علي يد نفس المعلم و كأنهم جميعا يقرأون من نفس الكتاب ........ كتاب فكر التقسيم الطائفي للمجتمعات.


No comments:

Post a Comment